شريف السليماني
قبل أيام كتبت مقالًا بعنوان: «أخشى على المغرب…»، تحدثت فيه عن التنوع الذي يميز المغرب، وعن خشيتي من أن يتحول هذا التنوع، الذي أراه من مكامن قوة بلدنا، إلى سبب للفرقة إذا أسأنا التعامل معه.
وقد لقي المقال، بفضل الله، تفاعلًا واسعًا، وبلغ عدد قرائه مئات الآلاف.
وقبل يومين، كنت أقضي عطلتي الصيفية في مدينة إيموزار كندر، فحدث معي موقف بسيط، لكنه جعلني أتوقف عند بعض ما كتبته في ذلك المقال.
جلست مساءً في مقهى لوحدي، فجاء أربعة أشخاص وجلسوا إلى الطاولة المجاورة لي، وكانت طاولتهم قريبة من طاولتي. وبحكم أن إيموزار منطقة أمازيغية، كانوا يتحدثون فيما بينهم بالأمازيغية، وكنت أفهم بعض الكلمات.
لكن بداية التواصل بيننا لم تكن بالكلام أصلًا.
أخذ أحدهم حبة تين من كيس فواكه كان معهم، ومدّها إليّ دون أن يعرفني، وأقسم عليّ أن آكلها، فهي من تين المنطقة المعروف بجودته ولذته. ثم أعطاني حبة أخرى، وأعطاني أحدهم خوخة…
قد تبدو هذه حركة بسيطة، لكنها لفتتني. فقد عشت سنوات طويلة في أوروبا، وفي بعض البيئات هناك يستغرب الإنسان أن يبادره شخص غريب بالسلام أو الحديث دون سابق معرفة، بل قد يسأله باستغراب: لماذا تكلمني؟ هل تعرفني؟
أما هنا، في المغرب، فما زالت هذه العفوية حاضرة في كثير من الأماكن؛ أن ترى شخصًا يجلس وحده، فتسلّم عليه، أو تعرض عليه مما معك، أو تبدأ معه حديثًا، دون أن تكون بينكما معرفة سابقة.
عندما بدأ أحدهم بمخاطبتي، تحدث معي بالدارجة، فرددت عليه بالدارجة، فتحول التواصل بيننا بشكل طبيعي.
ولعل من المهم أن أقول هنا إن حديث هؤلاء فيما بينهم بالأمازيغية لم يكن أمرًا غريبًا بالنسبة إليّ، ولم أشعر يومًا بالضيق لأن أشخاصًا من حولي يتحدثون بلغة لا أفهمها.
فقد قضيت ما يزيد على عشرين عامًا إمامًا في مسجد كان معظم زواره من أهل الريف، حتى أصبحت أفهم الريفية بشكل مقبول؛ لا أتحدث بها بطلاقة، لكنني إذا سمعت حديثًا بها أفهم سياقه وكثيرًا من معانيه. كما أن معظم المساجد التي اشتغلت فيها كان أغلب روادها من الناطقين بالأمازيغية، وأغلب أصدقائي يتحدثون الأمازيغية.
ولذلك لم أشعر يومًا أن حديث الناس بلغتهم فيما بينهم أمر يزعجني، أو أن من حقي أن أطلب منهم في كل مجلس أن يتحدثوا بالعربية حتى أفهمهم.
وأعرف أن بعض الناس قد يشعر بالحرج أو الضيق عندما يجلس بين أشخاص يتحدثون لغة لا يفهمها، وهذا شعور يمكن تفهمه. أما أنا، فلم أشعر يومًا بذلك، ولم أكن أرى أن من حقي أن أطلب من الآخرين تغيير لغتهم لمجرد أنني لا أفهمها.
لكن إذا كان المجلس مشتركًا، وتفضل الطرف الآخر بأن يتحدث بلغة يفهمها الجميع حتى يشارك الجميع في الحديث، فهذا بلا شك من الكرم وحسن المعاشرة، ومراعاة من حوله.
وهذا ما حدث معي في تلك الجلسة. لم أطلب منهم أن يتحدثوا بالدارجة، ولم يكن هناك ما يلزمهم بذلك، لكنهم عندما بدأوا بمخاطبتي تحدثوا بها، فرددت عليهم بالدارجة، ووجدنا اللغة التي جمعتنا في الحديث.
كانت حبة التين تلك هي مفتاح التواصل بيننا، ثم أخبروني أن الفواكه التي كانت معهم لم يكونوا قد اشتروها، وإنما أهداهم إياها بائع الفواكه، فقد اعتاد، بحكم الصداقة والمعرفة، أن يفعل ذلك كلما مروا أمام متجره.
تحدثنا عن كرم بائع الفواكه، وعن لذة التين والخوخ، ثم انتقل الحديث إلى جمال المغرب وتنوعه.
فقال أحدهم إن الإنسان لا يعرف جمال المغرب وتنوعه حقًا إلا عندما يعيش خارجه.
سألته: هل تعيش خارج المغرب؟
قال: نعم، في بلجيكا.
قلت له: وأنا أيضًا أعيش في بلجيكا.
ومن هنا بدأت الحكاية تأخذ مسارًا آخر.
سألوني من أي منطقة أنا، فقلت إن أصلي من الجنوب الشرقي، من تافيلالت، وإنني درست في وجدة.
فإذا بأحدهم يخبرني أنه أمضى فترة تكوين في الرشيدية، وأنه يعرف أحياءها وتفاصيلها وكأنه ابن المنطقة.
وبعد أن شاركنا الطعام، اقترحوا عليّ أن أدير كرسيي نحو طاولتهم وأجلس معهم، ما دمت جالسًا وحدي، فاستجبت لهم، وجلسنا جميعًا إلى طاولة واحدة.
وتحدثنا بكل عفوية، وكأننا نعرف بعضنا منذ زمن.
تحدثنا عن المغرب، وعن المغاربة في بلجيكا، وعن أوضاع المسلمين في الغرب، وعن مشاكل الأطفال، وعن النماذج الجميلة والسيئة التي نراها، وعن تجربة العيش خارج الوطن.
تحدثنا عن الجنوب الشرقي، وعن طيبة أهله، عربًا وأمازيغ، وعن أشياء كثيرة.
والغريب أن الانسجام كان سريعًا جدًا.
وعندما انتهت الجلسة، وقع بيننا موقف طريف: كل واحد منا كان يريد أن يدفع ثمن المشروبات. قمت لأدفع، فإذا بأحدهم يريد أن يدفع أيضًا، وتحولت المسألة إلى منافسة ودية، كل واحد يريد أن يكرم الآخر.
ثم لم نفترق قبل أن نتبادل أرقام الهاتف.
قال لي أحدهم: «إذا أتيت إلى إيموزار مرة أخرى، فلا تبحث عن الكراء، لدي بيت وسأعطيك إياه لتقيم فيه».
وأعطيته رقمي وقلت له: «وإذا أتيت إلى كورتري فمرحبًا بك..».
والأجمل أنني عندما استرجعت تفاصيل تلك الجلسة، وجدت أن المسافة بين بدايتها ونهايتها كانت كبيرة جدًا.
في البداية كنت أجلس وحدي، وإلى جواري أربعة أشخاص يتحدثون فيما بينهم بلغة لا أفهم منها إلا بعض الكلمات.
وبعد وقت قصير، كنا نجلس جميعًا إلى طاولة واحدة، نتبادل الحديث والضحك، ويحاول كل واحد منا أن يكرم الآخر، ثم نفترق ونحن نتبادل أرقام الهاتف، ويدعو بعضنا بعضًا إلى زيارته.
هذا الانسجام الذي حصل بيننا بهذه السرعة لم يكن بالضرورة ليحصل بين أشخاص يتحدثون اللغة نفسها، سواء كانوا عربًا أو أمازيغ.
فمجرد الاشتراك في اللغة لا يعني بالضرورة أن تتقارب العقول أو تتآلف الأرواح، ومجرد الاختلاف في اللغة لا يعني أبدًا تباعد الأرواح والعقول.
فاللغة قد تسهّل التواصل، وقد تقرّب الألسن من بعضها، لكنها ليست كل شيء.
فالإنسان أكبر من مجرد لسانه.
قد نتحدث اللغة نفسها، لكن تختلف أفكارنا وقيمنا وطباعنا، فلا نجد بيننا ذلك التقارب.
وقد نختلف في اللغة، لكننا نلتقي في أشياء أعمق: في القيم، وفي الأخلاق، وفي طريقة النظر إلى الحياة، وفي احترام الإنسان، وفي الهموم المشتركة، وهذا ما حدث بيني وبين هؤلاء الإخوة.
فلا تجعلوا من اختلاف اللغة والعرق مشكلة، فبين الإنسان والإنسان ما هو أعمق من اللغة والعرق.