بقلم: محمد اكن
إذا كان السلام خيانة، فلماذا لا يرسل تجّار الكراهية أبناءهم إلى الجبهات؟ وإذا كان الحوار مع اليهودي جريمة، فلماذا لا يتوقف الذين يحرّمونه عن التعامل مع العالم الذي يختلف عنهم في الدين والثقافة والسياسة؟ وإذا كان التعايش مؤامرة، فلماذا يخاف المتطرفون من أن يتعارف الناس؟ هذه ليست أسئلة عابرة، إنها أسئلة تهدم أساساً كاملاً من الخطاب الذي عاش طويلاً على تحويل الإنسان إلى عدو، والدين إلى خندق، والتاريخ إلى رخصة دائمة للكراهية.
في الشرق الأوسط، لم تعد الكراهية مجرد موقف سياسي أو انفعال عاطفي، لقد تحولت إلى صناعة كاملة تُنتج الخوف، وتعبّئ الجماهير، وتُبقي الجروح مفتوحة، وتمنح المتطرفين وظيفة دائمة. فالمتطرف لا يحتاج فقط إلى أتباع، بل يحتاج إلى عدو دائم؛ عدو لا يجوز الحديث معه، ولا فهمه، ولا الاقتراب منه، لأن الإنسان عندما يعرف الآخر تبدأ الكذبة في الانهيار. وهنا تحديداً يصبح السلام خطيراً، ليس على الأديان، بل على الذين يتاجرون بها، وليس على الهويات، بل على الذين يحولونها إلى خنادق، وليس على القضايا العادلة، بل على الذين جعلوا من القضايا العادلة أدوات لتبرير الكراهية والوصاية على عقول الناس.
في هذا السياق، يأتي مشروع توم وايغنر، مؤسس الحركة الإبراهيمية، ليطرح سؤالاً يتجاوز الأشخاص والمشاريع: هل يمكن أن يكون الإنسان وفياً لدينه دون أن يكون عدواً لأتباع دين آخر؟ بالنسبة إلى العقلاء، الإجابة واضحة، لكن بالنسبة إلى المتطرفين فإن مجرد طرح السؤال يبدو تهديداً وجودياً. فالحركة الإبراهيمية لا تطلب من المسلم أن يتخلى عن إسلامه، ولا من اليهودي أن يتخلى عن يهوديته، ولا من المسيحي أن يتخلى عن مسيحيته، بل تطرح فكرة أكثر استفزازاً: إن اختلاف الأديان لا يمنح أحداً حق احتكار الحقيقة، ولا يمنح أي إنسان رخصة لكراهية إنسان آخر.
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية. فالمتطرف يريد منك أن تصدق أن حب هويتك يتطلب كراهية هوية غيرك، وأن الدفاع عن قضيتك يفرض عليك شيطنة شعب بأكمله، وأن تخلط بين اليهودي والحكومة الإسرائيلية، وبين المسلم والجماعات المتطرفة، وبين المسيحي وتاريخ الصراعات التي ارتُكبت باسم المسيحية. يريدك أن تؤمن بأن كل فرد مسؤول عن أفعال الآخرين لمجرد أنه ينتمي إلى الدين أو القومية نفسها. وهذا هو جوهر التلاعب؛ فحين يُختصر الإنسان في جماعة، يصبح من السهل كراهيته، وحين يُحرم من فرديته يصبح من السهل تحويله إلى هدف، وحين يُجرد من إنسانيته يصبح قتله أو التحريض عليه أكثر سهولة.
لكن هنا لا بد من قول شيء قد لا يرضي كثيرين: السلام لا يعني التنازل عن الحقوق الفلسطينية، والتعايش لا يعني محو التاريخ، والحوار لا يعني التخلي عن القدس، والاعتراف بإنسانية الآخر لا يعني الموافقة على كل سياساته. بل إن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الظلم أو إنكار الحقوق أو إلغاء الشعب الفلسطيني.
وهنا تبرز المملكة المغربية الشريفة، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، رئيس لجنة القدس، باعتبارها نموذجاً مختلفاً عن منطق الشعارات السهلة. فالمملكة المغربية لم تجعل دعم الشعب الفلسطيني مجرد خطاب عاطفي، ولم تختزل السلام في تجاهل المأساة الإنسانية، بل جمعت بين الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، والعمل الإنساني، والتمسك بالحل السياسي، ورفض استمرار الحرب. وقد ظل الموقف المغربي ثابتاً في الدعوة إلى وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، والتمسك بحل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وهنا تكمن المفارقة التي يجب أن يفهمها تجار الكراهية: يمكنك أن تدافع عن فلسطين دون أن تكره اليهود، ويمكنك أن تدافع عن القدس دون أن تكره الإسرائيليين، ويمكنك أن ترفض سياسات حكومة دون أن تحول ملايين البشر إلى أعداء بالولادة، ويمكنك أن تكون مخلصاً للقضية الفلسطينية دون أن تصبح أسيراً للكراهية. هذه ليست خيانة، بل هي السياسة الناضجة.
المملكة المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، لا تحتاج إلى مزيد من الصراخ كي تثبت موقفها من فلسطين. فالمواقف السياسية تُعلن، والدبلوماسية تتحرك، والعمل الإنساني حاضر، والقدس تحتل مكانة ثابتة في السياسة المغربية. وفي الوقت نفسه، لا تتحول القضية الفلسطينية إلى مبرر لإلغاء الآخر أو تبرير الكراهية الجماعية. وهذه نقطة لا يريد المتطرفون الاعتراف بها، لأنهم يريدون احتكار تعريف التضامن مع فلسطين: إما أن تكره كما نكره، أو فأنت خائن؛ إما أن ترفض السلام كما نرفضه، أو فأنت عميل؛ إما أن تردد خطابنا، أو فأنت خارج الجماعة.
لكن المغرب، بتاريخه وهويته وعمقه الحضاري، يقدم نموذجاً مختلفاً. نموذجاً يقول إن الدفاع عن القدس لا يحتاج إلى كراهية اليهود، وأن دعم فلسطين لا يحتاج إلى إنكار وجود إسرائيل، وأن المطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني لا تعني رفض السلام، بل إن السلام العادل هو الطريق الذي يضمن للفلسطينيين حقوقهم، وللإسرائيليين أمنهم، وللمنطقة مستقبلاً لا تحكمه الجنازات.
وهنا تحديداً يصبح مشروع الحركة الإبراهيمية جزءاً من نقاش أكبر. فالمشكلة ليست أن نختلف، فالاختلاف طبيعي، بل المشكلة أن نعتقد أن اختلافنا يمنحنا حق إلغاء الآخرين. المشكلة أن نرى كل يهودي مسؤولاً عن كل قرار إسرائيلي، وكل مسلم مسؤولاً عن كل جريمة ارتكبت باسم الإسلام، وكل مسيحي مسؤولاً عن كل جريمة ارتكبت باسم المسيحية. هذا ليس عدلاً، بل هو التطرف في أبسط صوره.
إن المتطرف لا يخاف من الآخر لأنه يعرفه، بل يخاف من أن يعرفه الناس. لأن المعرفة تقتل الأسطورة، والحوار يهدم الصورة النمطية، والتعارف يسحب من يد المحرض أهم أسلحته: الجهل. ولهذا فإن أخطر شيء على تجار الكراهية هو أن يجلس المسلم واليهودي والمسيحي إلى طاولة واحدة، لا لكي يتخلوا عن أديانهم، بل لكي يكتشفوا أن اختلافهم لا يلغي إنسانيتهم.
قد يختلفون في العقيدة، وقد يختلفون في السياسة، وقد يختلفون في التاريخ، لكنهم يستطيعون أن يختلفوا دون أن يتحولوا إلى وحوش. وهنا بالضبط تكمن قوة السلام. السلام لا يطلب منك أن تنسى، بل يطلب منك ألا تجعل ذاكرتك سجناً لأطفالك. لا يطلب منك أن تتنازل عن حقوقك، بل يطلب منك أن تبحث عن طريق يمنح الحقوق دون أن يدفن أجيالاً جديدة في المقابر.
إن توم وايغنر والحركة الإبراهيمية يطرحان سؤالاً مزعجاً، والدبلوماسية المغربية بقيادة جلالة الملك محمد السادس تقدم، في المقابل، درساً عملياً في أن السلام لا يعني التخلي عن الحقوق. فالمعادلة ليست: إما فلسطين أو السلام. هذه كذبة سياسية وأخلاقية. المعادلة الحقيقية هي: فلسطين والعدالة والسلام.
أما المتطرفون، من جميع الجهات، فيريدون منا أن نختار الكراهية، لأن الكراهية أسهل. فهي لا تحتاج إلى تفكير أو معرفة أو مسؤولية؛ يكفي أن تشير إلى الآخر وتقول: هو العدو. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: من أعطى المتطرفين الحق في اختيار أعدائنا؟ ومن منحهم حق التحدث باسم الله؟ ومن قال إن الدفاع عن فلسطين يتطلب كراهية اليهود؟ ومن قال إن الدفاع عن إسرائيل يتطلب إنكار معاناة الفلسطينيين؟ ومن قال إن السلام لا يمكن أن يتحقق إلا بعد أن ينتصر طرف ويختفي الآخر؟
هذه هي الأسئلة التي يخاف منها تجار الكراهية، لأنها تضعهم أمام حقيقة بسيطة: السلام لا يهزم الأديان، ولا يلغي الهويات، ولا يمحو التاريخ، لكنه يهزم أولئك الذين جعلوا من الدين والهوية والتاريخ أدوات لصناعة العدو.
ولهذا ربما يكون السؤال الأكثر استفزازاً: إذا كان السلام مؤامرة، فلماذا يخاف منه المتطرفون؟ وربما تكون الإجابة أكثر وضوحاً مما نعتقد: لأن السلام سيجعل الفلسطينيين والإسرائيليين أمام مستقبل مختلف، ولأن الحوار سيجعل أبناء الأديان يتعرفون إلى بعضهم، ولأن التعارف سيهدم الصور التي بنى عليها المتطرفون إمبراطورياتهم، ولأن الإنسان عندما يعرف الإنسان الآخر يصبح من الصعب جداً أن يكرهه.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين دين ودين، ولا بين شعب وشعب، بل بين من يريدون للإنسان أن يتعارف ومن يريدون له أن يكره، بين من يريدون للقدس أن تكون رمزاً للسلام ومن يريدونها وقوداً أبدياً للحرب، وبين من يؤمنون بأن فلسطين تستحق الحرية والسلام والكرامة، ومن يحتاجون إلى بقاء فلسطين جرحاً مفتوحاً كي يستمروا في بيع الكراهية.
وفي هذه المعركة، سيبقى السؤال مفتوحاً: هل سنورث أبناءنا إيماننا فقط، أم سنورثهم أيضاً كراهيتنا؟
أما المملكة المغربية الشريفة، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، فتقول من خلال مواقفها وأفعالها إن الدفاع عن القدس وفلسطين لا يتناقض مع السلام، وإن السلام لا يكون عادلاً إذا تجاهل الحقوق الفلسطينية، وإن التضامن الحقيقي لا يكون بالصراخ وحده، بل بالعمل والإنسانية والدبلوماسية.
وهنا ربما تكون الرسالة الأكثر إزعاجاً للمتطرفين: يمكنك أن تكون مغربياً، مسلماً، وفياً للقدس وفلسطين، مؤمناً بحق الشعب الفلسطيني في دولته، ومدافعاً عن السلام في الوقت نفسه. ولا تحتاج إلى كراهية اليهود كي تثبت حبك لفلسطين، ولا تحتاج إلى شيطنة الإسرائيليين كي تدافع عن حقوق الفلسطينيين، ولا تحتاج إلى رفض السلام كي تثبت أنك مخلص لقضية عادلة.
فالكراهية ليست مقياساً للوفاء، والصراخ ليس دليلاً على الوطنية، والتطرف ليس برهاناً على الإيمان. أما السلام، فقد يكون أكثر المواقف شجاعة في منطقة اعتادت أن تكافئ الكراهية وتعاقب العقل.
ولهذا سيبقى السؤال الذي لا يريد تجار الكراهية الإجابة عنه: إذا كان إيمانكم قوياً إلى هذا الحد، فلماذا تخافون من أن يتعارف الناس؟ فربما لا يخافون من أن يضيع الدين، ولا من أن تضيع فلسطين، ولا من أن تضيع القدس. ربما يخافون فقط من أن يكتشف الناس أن الكراهية التي ورثوها لم تكن قدراً سماوياً، بل صناعة بشرية عاش عليها المتطرفون طويلاً.