الانتخابات حُسمت… لكن الرسالة لم تنتهِ

هند بومديان

عندما تتكلم صناديق الاقتراع

 

لم تعد نتائج الانتخابات التشريعية المغربية مجرد أرقام معلقة على جداول النتائج. فبعد اقتراع 23 شتنبر 2026، ظهرت خريطة برلمانية جديدة، تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65، فيما عاد العدالة والتنمية إلى الواجهة بـ54 مقعداً.

لكن قراءة الانتخابات لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال: من تصدر؟ ومن تراجع؟ ومن ربح ومن خسر؟

السؤال الأعمق هو: ماذا قالت هذه الانتخابات عن المجتمع المغربي، وعن علاقته بالسياسة، وعن انتظاراته من المؤسسات؟

 

خريطة جديدة وأسئلة قديمة

أعادت النتائج ترتيب موازين القوى داخل مجلس النواب، وفتحت الباب أمام مرحلة سياسية جديدة. غير أن تغيير الأرقام داخل البرلمان لا يعني بالضرورة أن الأسئلة التي تشغل المواطن قد تغيرت.

فالأسئلة الأساسية ما زالت حاضرة بقوة: كيف يمكن خلق فرص شغل حقيقية؟ كيف يمكن تحسين الخدمات الصحية والتعليمية؟ كيف يمكن تخفيف ضغط المعيشة؟ وكيف يمكن جعل المواطن يشعر بأن السياسة ليست موسماً انتخابياً ينتهي بمجرد إعلان النتائج؟

هذه الأسئلة لن تجيب عنها صناديق الاقتراع وحدها، وإنما ستجيب عنها السياسات والقرارات والأداء اليومي للمؤسسات.

 

المشاركة… الرقم الذي يستحق التأمل

من بين أبرز المعطيات التي رافقت هذه الانتخابات نسبة المشاركة الوطنية التي بلغت 38.08%، وفق وزارة الداخلية، مقابل 50.86% في انتخابات 2021. وقد شارك في الاقتراع ما يقارب ستة ملايين ناخبة وناخب.

وهنا تبرز مسألة لا تقل أهمية عن عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب: كيف يمكن إعادة بناء علاقة أكثر قوة بين المواطن والسياسة؟

لا يمكن اختزال هذا الرقم في تفسير واحد، ولا يمكن تحميله رسالة واحدة. لكنه يظل معطى يستحق النقاش، لأن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى مؤسسات منتخبة، وإنما تحتاج أيضاً إلى مواطن يشعر بأن مشاركته قادرة على إحداث فرق.

 

من خطاب الحملة إلى لغة المسؤولية

خلال الحملة الانتخابية، كانت الأحزاب مطالبة بإقناع الناخبين ببرامجها ووعودها. أما بعد النتائج، فقد تغيرت المعادلة.

لم يعد المطلوب إقناع المواطن بالتصويت، بل إقناعه بأن صوته لم يذهب سدى.

 

وهذه ربما أصعب مرحلة في العملية السياسية كلها.

فالمواطن لا ينتظر خطباً جديدة بقدر ما ينتظر نتائج ملموسة. يريد أن يرى أثر السياسة في المدرسة والمستشفى والإدارة وفرص العمل وفي تفاصيل حياته اليومية.

وهنا ستتحول الوعود الانتخابية من كلمات إلى التزامات، ومن شعارات إلى مسؤولية سياسية يمكن للمواطن أن يقيسها مع مرور الوقت.

 

المعارضة أيضاً أمام اختبار

الخريطة الجديدة لا تعني فقط مسؤولية القوى التي ستشكل الأغلبية، وإنما تضع المعارضة كذلك أمام امتحان مختلف.

فالمعارضة ليست مجرد رفض لما تقترحه الحكومة، كما أن الأغلبية ليست مجرد دفاع دائم عن قراراتها. قوة المؤسسة التشريعية تظهر عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى نقاش جاد، واقتراحات قابلة للتطبيق، ومراقبة حقيقية، وتشريع يستجيب لمشكلات المجتمع.

وبهذا المعنى، فإن البرلمان الجديد سيكون أمام مسؤولية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة إلى سؤال أكبر: كيف يمكن تحويل التعدد السياسي إلى قيمة مضافة في حياة المواطن؟

 

الانتخابات انتهت… والثقة تبدأ الآن

ربما تكون أهم قاعدة في السياسة أن الطريق إلى ثقة المواطن لا ينتهي عند الفوز.

فالانتخابات تمنح الشرعية الانتخابية، لكن الأداء هو الذي يصنع الثقة أو يضعفها.

ومن حصل على أصوات المواطنين سيحتاج إلى تذكر أن تلك الأصوات جاءت من أناس لديهم انتظارات ومخاوف وطموحات، وليس من أرقام مجردة في صناديق الاقتراع.

لقد انتهت الحملة، وانتهت المنافسة، وأعلنت النتائج.

لكن بالنسبة للمواطن، بدأت الآن مرحلة أخرى تماماً.

مرحلة لا يسأل فيها الناس عن عدد المقاعد فقط، وإنما عن عدد الوعود التي ستتحول إلى واقع.

الصناديق قالت كلمتها، والآن جاء دور المؤسسات لتثبت أن تلك الكلمة كانت بداية التغيير، لا نهاية الحكاية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد