عبد الرزاق أمدجار
ليست كل الحقائق معروضة على الشاشات، وليست كل الأزمات تُفهم من خلال الصور التي تتصدر نشرات الأخبار. ففي فرنسا، حيث تتكرر مشاهد الاحتجاجات والمواجهات، يبرز سؤال جوهري يتجاوز الدخان المتصاعد في الشوارع والواجهات المحطمة: هل ما نراه هو حقيقة ما يحدث، أم مجرد الوجه الظاهر لأزمة أعمق؟
إن اختزال المشهد الفرنسي في أعمال التخريب والمواجهات مع الشرطة قد يجعل المتابع أسير الصورة، بعيداً عن البحث في الأسباب التي تدفع الغضب إلى الشارع. فالكاميرا تستطيع أن تنقل لحظة الانفجار، لكنها لا تستطيع وحدها أن تروي كل ما سبقها من احتقان اجتماعي وتوتر سياسي وشعور متزايد بالإحباط لدى بعض الفئات.
خلف الصورة.. أسئلة محرجة
وراء المشاهد الصاخبة، تفرض نفسها قضايا لا تقل أهمية: غلاء المعيشة، والقدرة الشرائية، وصعوبة الحصول على السكن، ومستقبل الشباب، والتفاوتات الاجتماعية، والثقة في المؤسسات. وهي ملفات تجعل فهم الاحتجاجات أكثر تعقيداً من مجرد تصنيفها ضمن أعمال الشغب أو الصراع بين اليمين واليسار.
فحين يشعر المواطن بأن الأعباء اليومية تتزايد، وأن القرارات السياسية لا تستجيب بما يكفي لانتظاراته، قد يتحول الاستياء إلى احتجاج. وحين تتراكم أسباب الغضب دون حلول مقنعة، يمكن لحدث واحد أن يشعل توترات ظلت تتشكل في العمق.
وهنا تكمن أهمية التساؤل عما إذا كانت بعض التغطيات الإعلامية تمنح مشاهد العنف مساحة أكبر من الأسباب الاجتماعية التي تستحق النقاش والتحليل. فالمشكلة ليست في نقل صور التخريب، بل في الاكتفاء بها وكأنها تقدم التفسير الكامل لما يجري.
فرنسا أمام امتحان الثقة
ليست فرنسا بمنأى عن الأزمات التي تواجه الديمقراطيات الحديثة. فوجود المؤسسات والانتخابات وتعدد الأحزاب لا يلغي الحاجة المستمرة إلى العدالة الاجتماعية والإنصات للمواطنين وتقليص الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع اليومي.
إن التحدي الحقيقي أمام الدولة لا يتمثل فقط في إعادة الهدوء إلى الشوارع، بل في معالجة الأسباب التي قد تجعل الاحتجاج يتكرر. فالمقاربة الأمنية يمكن أن تكون ضرورية لحماية الأشخاص والممتلكات، لكنها لا تكفي وحدها لبناء استقرار مستدام.
وفي المقابل، فإن فهم أسباب الغضب لا يعني تبرير الاعتداءات أو التخريب، كما أن إدانة العنف لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتجاهل المطالب الاجتماعية المشروعة.
ماذا تخفي الكواليس؟
إن الحديث عن وجود حقائق تتعمد السلطات إخفاءها يحتاج إلى أدلة، لا إلى عناوين مثيرة فقط. لكن المؤكد أن وراء كل أزمة اجتماعية أسئلة تستحق التحقيق، ومعطيات ينبغي فحصها، وسياسات يجب تقييم نتائجها بعيداً عن المزايدات السياسية.
فالواجهات المحطمة يراها الجميع، لكن تصدعات الثقة لا تظهر في الصور. والدخان الذي يملأ الشوارع قد يحجب المشهد، لكنه لا يفسر وحده لماذا وصل المجتمع إلى هذه اللحظة.
لهذا، فإن القراءة الجادة لما يحدث في فرنسا تبدأ من سؤال يتجاوز المشهد الظاهر: ما الذي يجري في عمق المجتمع، وما الذي ينبغي تغييره حتى لا يتحول الغضب إلى مواجهة متكررة بين المواطن ومؤسساته؟
إن أخطر ما يمكن أن تفعله وسائل الإعلام هو أن تجعل المتابع يرى كل شيء، دون أن تساعده على فهم شيء. فالحقيقة لا تكمن دائماً في الصورة الأكثر إثارة، بل أحياناً في الأسئلة التي لم تُطرح بعد.