مغرب التناقضات

بقلم: ذ.سعيد الشرقاوي


 و أنا أتابع نشرة أخبار الظهيرة للقناة الثانية 2M هذ اليوم الجمعة 28 نونبر 2014 ، استرعاني عنوانين بارزين للنشرة:  الأول ” فيضانات عارمة بالجنوب و الجنوب الشرقي تحصد خسائر بالجملة و الدر اسة تتوقف بالمؤسسات التعليمية”،  و الثاني ” المغرب يحتفي بمنجزاته في مجال حقوق الإنسان في المنتدى العالمي لحقوق الإنسان بمراكش”، الشيء الذي جعلني استغرب بشده  التناقض الصارخ و المهول الذي استطاع المغرب أن يحققه دون غيره، هل ما خلفته الفيضانات من شهداء منكوبين و آخرين محاصرين دون مأكل و ملبس و مأوى و أطفال لم يرتادوا بعد حجرات الدرس  بمثابة المنجزات التي يحتفل بها المغرب؟ هل كل هذا يدخل هو الآخر ضمن المنجزات الحقوقية للمغرب الاستثنائي؟

 إن هذه الأسئلة فعلا تبين بجلاء أن المغرب هو البلد الاستثنائي الوحيد الذي استطاع أن يجمع بين المتناقضات، و هو ما جعلني أقول إنه “مغرب التناقضات”:

– أليس من التناقضات العجيبة أن تجيش و تجهز أحدث الوسائل المادية و كل الطاقات البشرية التي لا تخطر على قلب بشر لقمع تظاهرة سلمية نظمها طلاب المغرب أمام البرلمان الأربعاء الماضي و أخرى بمراكش لا لشيء إلا لأنهم استنكروا الظلم و الحيف الذي طال  حقوقهم المادية و المعنوية من جراء سياسة تعليمية فاسدة مفسدة، مع العلم أن هذا الحدث لم يكن ضمن عناوين النشرة الإخبارية ، و في المقابل فيضانات عارمة هزت الجنوب و الجنوب الشرقي المغربي و أتت على الأخضر و اليابس  و لم يجهز لذلك إلا وسائل جد محتشمة بدعوى قلتها، و ترك الناس يكابدون و يواجهون معاناتهم  بوسائلهم البدائية الخاصة التي طبعا لا تسمن و لا تغني من جوع. لماذا وسائل القمع متوفرة  و لم تتوفر وسائل الإنقاذ و الإغاثة و الحماية ؟ ما الأولى اذن في مغربنا الحبيب ؟ هل قمع الناس و اخضاعهم أم حماية حياتهم و أمنهم و ممتلكاتهم؟ أين شعار “مغرب الأمن و الاستقرار” الذي سمعنا به بالأمس القريب؟، إنه فعلا تنافض عجيب.

– أليس من التناقضات أيضا  أن ينظم المغرب المنتدى العالمي لحقوق الإنسان بصرف 12 مليار سنتيمو  يحتفل بمنجزات ما حققه في مجال حقوق الإنسان حسب زعمهو يجند كل أجهزته وأبواقه لتلميع صورته،في الوقت الذي يعيش المغاربة كارثة وهول ما حل بهم من فاجعة الفيضانات، أودت باستشهاد عشرات الأرواح، و أخرى ما زالت مفقودة، و اتلاف المحاصيل الزراعية و هدم البيوت و المداشر القروية ، و محاصرة العديد من القرى  التي مازال الناس فيها ينتظرون الإغاثة و الإستفادة من أبسط الحقوق من مأكل و ملبس و مأوى، و خصوصا الأطفال الذين لم يعرفوا طريقهم إلى المدرسة بعد بسبب انقطاع المسالك. فكيف جمع المغرب بين ما يقع و بين ما يحتقل به؟ ألا يستحق الأمر  حداد على أرواح الشهداء و اعلان حالة الطوارئ و الغاء كل البرامج و تجنيد وتعبئة كل الطاقات و الموارد  لحل هول الفاجعة؟ ألا تكفي  12 مليار سنتيم التي ستصرف على ذلك المنتدى لإغاثة الأرواح و حتى لتعويض أضرارهم؟ من الأولى إدن، تلميع صورة المغربأمام المنتظم الدولي أم إغاثة المتضررين؟

– و إنه من المتناقضات العجيبة أيضا، أن يتقدم المغرب بالمصادقة على بروتكول مناهضة التعذيب و كل أشكال المعاملات القاسية و اللاإنسانية ، و في الوقت ذاته تنقل جثث شهداء الفيضانات على شاحنات جمع القمامات و الأزبال الشيء الذي ترفضه الشرائع السماوية و القوانين البشرية و العقل السليم  والطائرات وسيارات الإسعاف والعتاد اللازم رابض في المستودعات لا يحرك ساكنا. إن هذا حقا لدلالة واضحة لقيمة الإنسان المغربي حيا و ميتا عند نظامنا المغربي، و المفارقة الأكثر عجبا أنه خصّصت لنجدة السياح الأجانب  في منطقة ورززات طائرة مروحية كسبا لثقة بلدانهم بينما  خصصت لهؤلاء قمامة الأزبال.

– إنه مما استرعاني أيضا ضمن نفس النشرة الإخبارية تنظيم ما سمي ب “كرنقال حقوق الإنسان” جاب شوارع مراكش احتفاء بحقوق الطفل ، و في الوقت نفسه جاء في النشرة أن الدراسة تتوقف جهة سوس ماسة درعة بسبب التساقطات المطرية غير العادية، و استرعاني تعليق مدير احدى الثانويات بقوله” “لا يعقل أن يضيع من الزمن المدرسي للتلاميذ يومين و يمنعون من ارتياد المدرسة بسبب مسالك طرقية هشة لا تقاوم حتى الزخات المطرية بالأحرى فيضانات”، فإن كان إذن أطفال تم اقتيادهم لبراءتهم لاحتفاء بحقوقهم ، فإن أخرون في الوقت ذاته لم  يرتادوا المدرسة بعد ليس ليومين فقط بل لأزيد من أسبوع  بمناطق عدة في المغرب ، و آخرون ما زالوا يفترشون الأرض و يتوسدون الحجر بسبب هدم منازلهم و ما زالوا ينتظرون من يعطف عليهم بلقمة عيش و قماش توب و مكان يأويهم.و هذا تناقض من نوع آخر.

طرحت هذه التناقضات، و استغربت حتى ارتابني شك أن عقلي لم يعد يميز بين ما هو الحقيقي، هل ما يجري في الواقع أو ما يسوقه النظام و يطبل و يغيط له في الأبواق الإعلامية؟ لكن برهة تذكرت القاعدة الشهيرة ” ما دمت في المغرب فلا تستغرب”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد