سيدي الوزير…المستوصفات أولا، تجهيزها ثانيا والخدمة الإجبارية ثالثا

فاطمة حسين

منذ بداية أول حكومة للتناوب في عهد اليوسفي إلى يومنا هذا ، لم تستطع أي حكومة مغربية متعاقبة  تدبير مشكل القطاع الصحي في المغرب إذ مازال يعيش أزمة كارثية خصوصا في شقه المتعلق بوجود تفاوتات وفوارق كبيرة بين العالم القروي والحضري، فبقيت تصريحات كل مسؤول وزاري تلخص أسبابه في ضعف الموارد البشرية بغض النظر عن سوء التوزيع الجغرافي للمؤسسات الصحية وغياب أبسط وسائل التطبيب لضمان صحة المواطن .فلا شك أن ضعف الموارد البشرية في هذا المجال مطروحا، ولا يزال أغلب الأطباء المغاربة يتمركزون في الرباط، الدار البيضاء ومراكش فيما يحجم خريجو الطب الجدد عن التقدم للعمل في المناطق النائية بسبب غياب التجهيزات الطبية واللوازم الأساسية للعمل الطبي في ذات المناطق، ما جعل وزارة الصحة تدرس قانون فرض “الخدمة الإجبارية” على الأطباء والممرضين الجدد والالتزام بالعمل لمدة سنتين في قرى ومناطق المغرب الهشة، إلا أن مهنيي الصحة رفضوا القرار لأسباب شخصية وعملية.

فالخدمة الإجبارية المدنية كان المغرب قد عمل بها حتى أواخر التسعينات في مجالات كالعسكر والتعليم مثلا والذي مازال خريجوه يتحركون صوب البوادي لتعليم أبناء المغرب المخفي في مدرسة جبلية مهجورة، تكاد تغلق أبوابها شتاءا لعدم تمكّن التلاميذ من الوصول إليها بسبب قساوة الظروف المناخية.

في مجال الصحة نلمسها كذلك، فهل تظنون مثلا أن الأطباء والممرضين الجدد الذين يعينون حديثا يعملون في المدن الكبرى؟ وهل سمعتم يوما بالدكتور برادة يعمل في مستوصف قروي؟ بالطبع لا، فأمثال هؤلاء يكتب لهم التمركز في مستشفيات الدار البيضاء أو الرباط أو في مصحات كبرى، ويبقى الآخرون يوزعون في المناطق النائية أو المجاورة ،إنها الخدمة الإجبارية الطبقية والتي مازالت تمارس في كل القطاعات فسواء انتفضتم في 23 يوليوز أو بعدها فذوي اللوبيات هم الغالبون .

إن إلزامية العمل في موقع ما، ما هو إلا أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية التي من خلالها يمكن توجيه الخدمات الصحية أو زيادتها في مناطق جغرافية غير مفضلة وذات حاجة، وقد اعتمدت عليه جل الدول وأفضت إلى نجا عته، في الصين والهند مثلا والنرويج وإفريقيا وفي دول أوروبية أو أمريكية فهي مازالت تمارسها خصوصا على الأجانب منهم. ونتساءل، هل بهذا القرار يمكن للمغرب أن يفكّ مشكل التطبيب في العالم القروي ؟

نحن في البادية نرى بالدرجة الأولى الخصاص في المستوصفات وفي غياب الطبيب وقت عمله وانعدام التجهيزات الأساسية للمعالجة، فأبي رحمه الله توفي بقدر الله وبسبب قصور في المعدات الطبية، لما أغمي عليه بسب ارتفاع الضغط الدموي فلا أوكسجين ولا دواء آنذاك في المستوصف، ليحمل مئات الكيلومترات إلى المدينة ففارق الحياة في الطريق، وقبل أيام قليلة سمعتم بفتاة تافروات التي توفيت على إثر لذغة أفعى بدورها قطعت الكيلومترات لتعالج في اكادير بدعوى أن مستوصفين جهويين لا يتوفرا على مصل مضاد للسم ؟ فأثناء زيارتي لهاته المناطق – رغم أنها معقل البرلمانيين الذين يصرخون في كل حملة انتخابية من أجل مصالحهم أما مصالح الشعب فلا شأن لهم بها- فمازالت مستوصفاتها الثلاث تفتقر إلى أبسط وسائل التطبيب فمن كان مريضا عليه أن يقصد أكادير كأقرب نقطة لتشخيص مرضه ومعالجته، نحن لا ننكر ما حقّق من منجزات إيجابية في عهد الحسين الوردي والتي لم يقم بها أي مسؤول آخر، من تعميم نظام المساعدة الطبية “راميد” على الفقراء وخفض أسعار أزيد من ألفي دواء وإغلاق بويا عمر والشروع في ترحيل المحتجزين ومنع أطباء القطاع العام للاشتغال في القطاع الخاص في نفس الوقت . لكن هل من مراقبة ومتابعة مستمرة لمختلف المشاريع ؟

إن كانت الدوافع الحقيقية وراء إقرار قانون الخدمة الإجبارية في القرى يلخص في الخصاص البشري ، فكيف لكم أن تفسروا عجز مستشفيات المدينة من استيعاب عدد كبير من المرضى وكذلك الانتظار لمدة طويلة لإجراء العمليات الجراحية ؟ ألم يكن سببه قلة الأسرّة وقلة أطباء الجراحة والممرضين مثلا ؟ألن يرجع السبب كذلك إلى الأطر العاملة التي لا تعير أي اهتمام للمرضى إلا بعد تقديم رشى لهم أو عن طريق واسطة بين الطبيب والمريض ؟ وهذه الظاهرة منتشرة في جل مستشفيات البلاد بسبب غياب الرقابة من قبل الوزارة الوصية .لماذا لم يتم التفكير أولا في مشروع  إحداث مستوصفات و تجهيزها بأدوية ومستلزمات إجراء الفحص السريري وسيارات الإسعاف ثم بعدها الخدمة الإجبارية ؟ ولا أظن أن الطبيب أو الممرض سيرفض المقترح ، فالأطباء مازا لو يقومون بين الفينة والأخرى بمبادرات لتقديم المساعدة في بعض المناطق الجبلية عن طريق حملات طبية قائمة على التطوع وليس الإجبار.

ماذا لو فرضتم الخدمة الإجبارية واكتظ المستوصف القروي الوحيد بالأطباء والممرضين وانعدمت معدات تشخيص المرض والأدوية ، ألا ترى أن في هذه الحالة سيضطر المريض في آخر المطاف لزيارة المدينة للاستشفاء وان اشتد مرضه فسيفارق الحياة حتما قبل الوصول نظرا للكيلومترات التي سيقطعها.إن هذا القرار  لن يستطيع تقديم إجابة دائمة لتحسين الصحة في هاته المناطق ما دامت المستوصفات قليلة وتفتقر إلى حد كبير إلى التجهيزات الأساسية لمعالجة المرضى .وقد تكون ناجعة لو خطط لها بشكل منطقي وشفاف في زيادة عدد المستوصفات وتجهيزها ، فلا تخطيط بدون شفافية ووضوح في وجود حوافز للعاملين الصحيين وما يرافقها من أجر وسكن وتغطية صحية وتقاعد وكذا تدريبهم مسبقا على الإجراءات المتعلقة بالعمل في المناطق القروية قبل تخرجهم.

إذا كان الأطباء والممرضين توحدوا وخرجوا للاحتجاج في صرخة 23 يوليوز رفضا للخدمة الإجبارية وظروفها في المناطق النائية .فحان الوقت لسكان القرى في فك الانتظار والتفرج  للخروج في صرخات يومية ضد أولئك الذين يرفعون شعارات الإصلاحات الوهمية في مناطق لا يعرفونها إلا في الخريطة ، حتى تنفضح أمورهم في تقارير ميدانية منجزة من طرف أجانب يرصدون الواقع الصحي المزري لهؤلاء المواطنين القرويين ، فلا نعلم أين تصرف في كل مرة ميزانية الدولة وكذا ما يقدمه التعاون الدولي لوزارة صحتنا؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد