إعلان مراكش: تجسيد لسماحة القيم الإسلامية

صوفية الصافي وعلي أحمان
الصور بعدسة: جمال السميحي

اختتمت يوم الأربعاء 27 يناير 2016 فعاليات مؤتمر حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية “الإطار الشرعي و الدعوة إلى المبادرة”، الذي نظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، والذي تم تنظيمه من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ومنتدى تعزيز السلم بالمجتمعات الإسلامية.

عرف المؤتمر حضور العديد من كبار علماء العالم الإسلامي، و رجال الدين من مختلف الديانات السماوية و كبار الشخصيات من كل أنحاء العالم.

تنوعت نشاطات المؤتمر من نقاشات، حوارات، و ندوات، كان التضامن سيد الموقف، حيث توحدت الديانات و لم يعد يسمع إلا صوت واحد هو السلم، الأمان، و الإستقرار.

يعتبر مؤتمر حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية، سابقة في العالم الإسلامي حسب رأي الدكتور أحمد السانوني منسق اللجنة العلمية لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات الإسلامية، فلأول مرة يجتمع علماء المسلمين و وزرائهم و مفتوهم، مع إخوانهم من بقية الأديان و الملل و الطوائف ليتدارسوا المشاكل و الإعتداءات و الجرائم التي تقع على الأقليات الدينية بإسم الإسلام. 

و يضيف الدكتور أحمد، ” هذا المؤتمر جاء ليحي مضامين وثيقة المدينة بعهد الرسول صلى الله عيه و سلم, ليعيش المسلمون و اليهود و المسيحيين و كل الطوائف بسلام.   

و بعتبار هذه الأخيرة أساس سليم يصلح لبناء تصور إسلامي متجدد للعيش بين مختلف الملل, الديانات, و الطوائف.


أما بخصوص التوصيات التي خرج بها المؤتمر، فهي تأكيد لهذه القيم التي عرف بها الإسلام، و التعهد بنشرها و تصحيح صورة ديننا الحنيف من طرف الجميع.

اعتمد المؤتمر بالإضافة  لوثيقة المدينة على الرسالة الملكية التي وجها الملك محمد السادس لعموم المؤتمرين, و تضمنت أيضا توجيهات، و خلاصتها تتمثل في آخر  فقرة  بإعلان مراكش، و مفادها أنه لا يجوز توظيف الدين لتبرير أي اعتداء على الأقليات الدينية.

 إذن هذه هي خلاصة ما وصل إليه هذا المؤتمر، على أساس أن تتلوه مبادرات يتم  فيها مناقشة تفعيل ما تم الاإتفاق عليه بين المؤتمرين”.

لاطالما كانت مراكش و ستظل عاصمة  السلم، السلام، القوة، و الإتحاد و الحضن الدافئ الذي احتضن و سيحتضن جميع الديانات، الملل، و الطوائف، خصوصا الأقليات الدينية التي يمثل لها البلد الثاني و يؤمن لها مستلزمات الحياة السعيدة.

فيما يلي مقتطفان من نص الوثيقة الهامة التي خرج بها مؤتمر حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية “الإطار الشرعي و الدعوة إلى المبادرة” و أطلق عيها اسم : “إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي”:

 أولا: في التذكير بالمبادئ الكلية والقيم الجامعة التي جاء بها الإسلام

1- إن البشر جميعا على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ومعتقداتهم كرمهم الله عز وجل بنفخة من روحه في أبيهم آدم عليه السلام: (ولقد كرمنا بني آدم – الإسراء: 70).
2- أن تكريم الإنسان اقتضى منحه حرية الاختيار: (لا إكراه في الدين- البقرة: 256)، (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا؛ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟! – يونس 99)
3- إن البشر -بغض النظر عن كل الفوارق الطبيعية والاجتماعية والفكرية بينهم- إخوة في الإنسانية: (ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا- الحجرات: 13).
4- إن الله عز وجل أقام السماوات والأرض على العدل، وجعله معيار التعامل بين البشر جميعا منعا للكراهية والحقد، ورغّب في الإحسان جلبا للمحبة والمودة (إن الله يامر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى-النحل:90)
5- إن السلم عنوان دين الإسلام، وأعلى مقصد من مقاصد الشريعة في الاجتماع البشري: (ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة-البقرة:208)، (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله- الأنفال-61)
6- إن الله عز وجل أرسل سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين- سورة الأنبياء:107)
7- إن الإسلام يدعو إلى البِرّ بالآخرين وإيثارهم على النفس دون تفريق بين الموافق والمخالف في المعتقد (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم. إن الله يحب المقسطين- الممتحنة:08).
8- إن الشريعة الإسلامية حريصة على الوفاء بالعقود والعهود والمواثيق التي تضمن السلم والتعايش بين بني البشر (ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود- المائدة: 01) (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم-النحل:91). “…أيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة”(أخرجه الإمام مسلم في صحيحه).

ثانيا: في اعتبار “صحيفة المدينة ” الأساس المرجعي المبدئي لضمان حقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي

9- إن “صحيفة المدينة” التي أقرها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لتكون دستورا لمجتمع متعدد الأعراق والديانات كانت تجسيدا للكليات القرآنية والقيم الإسلامية الكبرى.
10- إن هذه الوثيقة ثابتة عند أئمة الأمة الأعلام.
11- إن تفرد “صحيفة المدينة” عما قبلها وما بعدها في تاريخ الإسلام والتاريخ الإنساني نابع من:
أ- نظرتها الكونية للإنسان باعتباره كائنا مكرما؛ فهي لا تتحدث عن أقلية وأكثرية بل تشير إلى مكونات مختلفة لأمة واحدة (أي عن مواطنين).
ب- كونها لم تترتب عن حروب وصراعات؛ بل هي نتيجة عقد بين جماعات متساكنة ومتسالمة ابتداء.
12- إن هذه الوثيقة لا تخالف نصا شرعيا وليست منسوخة؛ لأن مضامينها تجسيد للمقاصد العليا للشريعة والقيم الكبرى للدين؛ فكل بند منها إما رحمة أو حكمة أو عدل أو مصلحة للجميع.
13- إن السياق الحضاري المعاصر يرشح ” وثيقة المدينة” لتقدم للمسلمين الأساس المرجعي المبدئي للمواطنة؛ إنها صيغة مواطنة تعاقدية ودستور عادل لمجتمع تعددي أعراقا وديانة ولغة، متضامن، يتمتع أفراده بنفس الحقوق، ويتحملون نفس الواجبات، وينتمون -برغم اختلافهم- إلى أمة واحدة.
14- إن مرجعية هذه الوثيقة لعصرنا وزماننا لا تعني أن أنظمة أخرى كانت غير عادلة في سياقاتها الزمنية.
15- إن “صحيفة المدينة” تضمنت بنودها كثيرا من مبادئ المواطنة التعاقدية كحرية التدين وحرية التنقل والتملك ومبدأ التكافل العام ومبدأ الدفاع المشترك، ومبدأ العدالة والمساواة أمام القانون ( …وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين؛ لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم؛ فإنه لا يوتغ [يهلك] إلا نفسه وأهل بيته…)، (وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم.وأنه لا يأثم أمرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم.)
16- إن مقاصد “صحيفة المدينة” هي إطار مناسب للدساتير الوطنية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، وينسجم معها ميثاق الأمم المتحدة ولواحقه كإعلان حقوق الإنسان مع مراعاة النظام العام.

ثالثا: في تصحيح المفاهيم وبيان الأسس المنهجية للموقف الشرعي من حقوق الأقليات

17- إن الموقف الشرعي من هذا الموضوع -كما في غيره- مرده إلى مجموعة من الأسس المنهجية التي يسبب جهلها أو تجاهلها الخلط والالتباس وتشويه الحقائق؛ ومنها:

أ- اعتبار كليات الشريعة كالحكمة والرحمة والعدل والمصلحة، وتحكيم النظر الكلي الذي يربط النصوص الشرعية بعضها ببعض ولا يغفل النصوص الجزئية التي يتشكل الكلي من مجموعها.
ب- اعتبار الجهات المخولة بالاجتهاد للسياق الذي نزلت فيه الأحكام الشرعية الجزئية، وللسياقات المعاصرة، وملاحظة ما بينهما من تماثل وتغاير من أجل تكييف تنزيل الأحكام، ووضع كل منها في موضعه اللائق به، بحيث لا تنقلب المفاهيم إلى ضدها، ولا تختل مقاصدها.
ج-اعتبار الارتباط بين خطاب التكليف وخطاب الوضع: أي النظر إلى الأحكام التكليفية موصولة بالبيئة المادية والإنسانية لممارسة التكاليف. ولذلك أصل فقهاء الإسلام قاعدة ” لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان”.
د- اعتبار الارتباط بين الأوامر والنواهي ومنظومة المصالح والمفاسد: لأنه ما من أمر ولا نهي في الشريعة إلا وهو قاصد إلى جلب مصلحة أو درء مفسدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد