أخشى على المغرب… ليس من تنوعه، بل من الطريقة التي قد نتعامل بها مع هذا التنوع

شريف السليماني

 

كلما عدت إلى المغرب، ازددت يقينًا بأن من أعظم ما يملكه هذا البلد هو تنوعه.

ففي عز الصيف، قد تقضي ليلة في مدينة فاس مثلا، فتتصبب عرقًا، أو لا تستطيع النوم إلا بعد تشغيل المبرِّد. ثم لا تبتعد عنها إلا نحو ثلاثين كيلومترًا إلى إيموزار، فإذا بك في الليل تحتاج إلى غطاء من شدة برودة الجو.

هذا الاختلاف الجميل لا يثير فينا القلق، بل يزيدنا إعجابًا بهذا البلد.

ثم تمتد الصورة نفسها إلى الجغرافيا، والمناخ، واللهجات، واللغات، والثقافات، والروافد البشرية والحضارية.

 

ولذلك أكتب هذه الكلمات.

ليس لأنني أخشى التنوع، بل لأنني أخشى أن يتحول هذا التنوع، الذي كان دائمًا مصدر غنى وقوة، إلى سبب للفرقة والخصومة إذا غابت الحكمة، وساد خطاب الإقصاء، وأصبح كل طرف يبحث عن الانتصار لهويته أكثر من بحثه عن مصلحة وطنه.

ولعل أول ما ينبغي أن نتفق عليه أن المغرب، كما نعرفه اليوم، هو ثمرة تاريخ طويل، لا ثمرة مرحلة واحدة.

وقد يقول قائل إن الأمازيغ كانوا يشكلون المكون الغالب قبل دخول الإسلام، وهذا أمر يناقشه المؤرخون في سياقه التاريخي. لكن المغرب لم يتوقف عند تلك المرحلة، بل دخل الإسلام، وجاءت معه تحولات دينية وحضارية وثقافية عميقة، وأصبح العرب جزءًا من النسيج المغربي، كما أسهمت فيه أيضًا روافد أندلسية، وإفريقية، ومتوسطية وغيرها. ثم جاء التعايش، والتزاوج، والتفاعل عبر القرون، ليصنع الشخصية المغربية التي نعرفها اليوم.

ومن الطبيعي أن يحب الإنسان أن يعرف جذوره وأصله، فهذا جزء من معرفة الذات والتاريخ. لكن معرفة الأصل لا تجعل أحدًا أفضل من غيره، لأن الإنسان لم يختر عرقه ولا نسبه حتى يفتخر به أو يحتقر غيره بسببه. ولو كان الأصل وحده يصنع المجد، لما تغيرت أحوال الأمم. فكم من أمة عريقة تأخرت، وكم من أمة حديثة تقدمت. وما يصنع الحضارات ليس الدم الذي يجري في العروق، بل الأفكار التي تجري في العقول، والأخلاق التي تستقر في النفوس، والعمل الذي تبنيه الأيدي.

ولعل تجربتي الشخصية تزيدني اقتناعًا بهذا المعنى. فأنا أنتمي إلى منطقة تافيلالت، ونعد أنفسنا عربًا، ونتحدث الدارجة، وكان الناس في منطقتنا يميزون بين العرب والأمازيغ. لكنني في الوقت نفسه ولدت في قصر اسمه تينغراس، وهو اسم ذو بنية أمازيغية، بل إن اسم تافيلالت نفسه يحمل أثرًا لغويًا أمازيغيًا. وهذا يجعلني أتساءل: هل يمكن فعلًا أن يتحدث أحد عن نقاء عرقي كامل بعد قرون طويلة من التعايش والتزاوج والتأثير المتبادل؟

إن المغرب ليس معادلة رياضية يمكن أن نقسم فيها الناس إلى هويات عرقية صافية، بل هو تجربة حضارية امتزجت فيها الأنساب، واللغات، والثقافات، حتى أصبح كثير من المغاربة يحملون في تاريخهم أكثر من رافد، وفي هويتهم أكثر من بعد.

وبالنسبة للمسلم، تبقى للغة العربية مكانة خاصة، لأنها لغة القرآن الكريم، ولغة الصلاة وكثير من العبادات. وهذه خصوصية دينية، وليست دعوة إلى التعصب القومي، ولا انتقاصًا من الأمازيغية أو من أي لغة أخرى. فمحبة العربية لا تستلزم الإساءة إلى الأمازيغية، كما أن الاعتزاز بالأمازيغية لا ينبغي أن يكون على حساب العربية.

ومن حق كل إنسان أن يعتز بلغته وثقافته، وأن يدافع عنهما، وأن يطالب بحماية حقوقهما. لكن ليس من حق أحد أن يحول هذا الاعتزاز إلى سخرية من لغة أخرى، أو إلى احتقار لعرق آخر. فالاعتزاز بالهوية شيء، وازدراء هويات الآخرين شيء آخر.

كما أرى أنه من غير المقبول أن يشعر أي مواطن بالغربة اللغوية داخل وطنه. فمن حق العربي، ومن حق الأمازيغي، ومن حق كل مواطن، أن تُحترم لغته، وأن يتمكن من التواصل وقضاء مصالحه بكرامة. فحماية الحقوق اللغوية ليست منحة، وإنما هي جزء من العدالة، شريطة أن تكون وسيلة للتقارب، لا أداة للإقصاء.

وهناك مسألة أراها في غاية الأهمية، وهي أن الأصل التاريخي شيء، والانتماء الثقافي واللغوي الذي يختاره الإنسان لنفسه شيء آخر. نعم، من الجميل أن يعرف الإنسان جذوره، لكن ليس من حق أحد أن يفرض على غيره هوية بعينها، فيقول له: أنت عربي رغمًا عنك، أو أنت أمازيغي رغمًا عنك. فقد يكون أصل الإنسان أمازيغيًا، لكنه يرى أن انتماءه الثقافي أو اللغوي العربي هو الأقرب إليه، وهذا حقه. وقد يكون العكس، وهذا أيضًا حقه. فالناس أحرار في الانتماء الذي يعيشونه، ما داموا يحترمون غيرهم.

 

ثم لنسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا:

ماذا بعد؟

لو افترضنا أننا حسمنا كل النقاشات حول الأعراق، والأنساب، واللغات، فهل سيكون ذلك كافيًا حتى نتقدم؟

الأمم لا تنهض لأنها حسمت الجدل حول الماضي، وإنما تنهض لأنها أحسنت بناء المستقبل. تنهض بالعلم، والأخلاق، والعدل، والإبداع، والعمل، واحترام الإنسان، وإتقان المسؤوليات. أما إذا استهلكنا معظم طاقاتنا في معارك الهوية، فسنورث أبناءنا خلافات أكثر مما نورثهم إنجازات.

إن الماضي مهم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سجن يحبسنا عن المستقبل.

ولعل هذه الرسالة لا تخص المغرب وحده. فلكل أمة تنوعها الخاص؛ فمنها من يختلف في الأعراق، ومنها من يختلف في اللغات، ومنها من يختلف في الأديان أو الثقافات أو الطوائف أو القبائل. لكن السؤال في كل مكان واحد: هل نجعل هذا التنوع جسرًا للتعارف والتكامل، أم نحوله إلى وقود للصراع؟

 

وقد سبق القرآن إلى ترسيخ هذا المعنى بقوله تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾.

فجعل اختلاف الألسنة والألوان آية من آيات الله، لا مشكلة ينبغي إلغاؤها.

وفي النهاية، لا أرى أن المغرب في حاجة إلى أن ينتصر مكون على مكون، أو لغة على لغة، أو رواية تاريخية على أخرى. بل هو في حاجة إلى أن تنتصر جميع مكوناته للمغرب، وأن تتنافس في خدمة الإنسان، وفي بناء مجتمع أكثر علمًا، وأكثر عدلًا، وأكثر احترامًا لهذا التنوع الذي كان، وسيبقى بإذن الله، أحد مصادر قوته.

ولن يسألنا أبناؤنا بعد خمسين سنة: من انتصر في هذا الجدل؟ لكنهم سيسألوننا: أيُّ مغرب تركتم لهم؟ مغربًا أنهكته معارك الهوية، أم مغربًا جعل من تنوعه مصدر قوة، ومن اختلافه سبيلًا إلى التكامل؟

 

أخشى على المغرب…

لا من تنوعه، وإنما من أن نسيء التعامل مع هذا التنوع، فنحوّل نعمةً أرادها الله آيةً من آياته، إلى سببٍ للفرقة والخصام.

وأرجو أن يبقى المغرب كما عرفناه دائمًا: وطنًا يتسع للجميع، ويعتز بجميع روافده، ويجعل من اختلافه مصدر قوة، لا سبب ضعف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد