المنتخب المغربي… حين يتكلم النجاح بلغة الإيمان

شريف السليماني

 

ليس أكثر ما يلفتني في المنتخب المغربي اليوم عدد الأهداف ولا صلابة الدفاع، بل ذلك الشيء الآخر الذي يطل من بين الركض والضغط والاحتفال: حضور الله في اللغة، وفي السلوك، وفي طريقة فهم النجاح نفسه.

صحيح أن كرة القدم في النهاية لعبة وترفيه وتنافس، لكن الرياضة، مثلها مثل الفن والإعلام، تكشف أحيانًا عن أشياء أعمق من النتيجة: عن هوية الناس، وعن القيم التي يحملونها، وعن الصورة التي يقدمون بها أنفسهم للعالم. ومن هذه الزاوية بالذات، أرى أن المنتخب المغربي يبعث برسالة تستحق التأمل.

ما يلفت الانتباه في هذا المنتخب، وفي بعض الأطر التي تقوده، ليس فقط الانضباط التكتيكي أو الروح القتالية، بل أيضًا تلك العلاقة العفوية والواضحة بالله تعالى. نسمع في تصريحات المدربين كلمات من قبيل: الحمد لله، الشكر لله، التوكل على الله، الله يوفق، الفضل لله، دير النية. وهي ليست مجرد عبارات بروتوكولية عابرة، بل تبدو جزءًا من طريقة النظر إلى النجاح نفسه: أن تبذل جهدك، وأن تشتغل، وأن تخطط، لكن من دون أن تنسى أن التوفيق من الله، وأن الفضل له، وأن القلب ينبغي أن يبقى متعلقًا به.

وهذا واضح في كلام وليد الركراكي، كما هو واضح أيضًا في كلام طارق السكتيوي ومحمد وهبي. فالمتابع لتصريحاتهم يلحظ بسهولة أن مفردات مثل الثقة في الله، والتوكل عليه، وشكره، ورد الفضل إليه، ليست طارئة في خطابهم، بل حاضرة فيه بصورة متكررة، ويبرز معها معنى آخر لا يقل أهمية، هو التواضع، وعدم التصرف وكأن النجاح صناعة ذاتية خالصة لا يد لله فيها ولا فضل لأحد.

والأمر لا يقف عند المدربين. فالمتابع يلحظ كذلك أن هذا الخيط نفسه حاضر عند عدد من اللاعبين: في الدعاء قبل لحظات الحسم، وفي ذكر الله قبل تنفيذ ضربات الجزاء، وفي السجود بعد تسجيل الأهداف، وفي ربط الفرح بالامتنان لله، وفي ذلك الاحترام الواضح للوالدين، والحرص على إظهار مكانتهما في مسيرة النجاح. قد يختلف الناس في تقييم بعض التفاصيل أو في تأويل بعض المشاهد، لكن من الصعب إنكار أن هناك مناخًا عامًا يطبع هذا الجيل من المنتخب المغربي، مناخًا يجعل ذكر الله والتعلق به جزءًا من الصورة، لا أمرًا طارئًا عليها.

ومع ذلك، فليس المقصود هنا أن كل كلمة دينية أو كل سجدة بعد هدف تكفي وحدها للحكم على عمق الإيمان؛ فالإيمان أوسع من لقطة عابرة، وأعمق من تصريح صحفي. لكن تكرار هذه المعاني، واجتماعها مع التواضع، واحترام الوالدين، ورد الفضل إلى الله، يجعلها ظاهرة جديرة بالتأمل، لا بالاستخفاف ولا بالتجاهل.

ومن أكثر ما يلفتني في هذه المظاهر أنها لا تظهر فقط بعد النجاح، بل تظهر أيضًا قبله، في لحظة الضغط نفسها: قبل ضربة جزاء، أو قبل مباراة حاسمة، أو عند انتظار هدف يفتح باب التأهل. وهنا تبدو العلاقة بالله لا باعتبارها زينة لغوية بعد الفوز، بل باعتبارها ملاذًا نفسيًا وروحيًا في لحظة القلق والتوتر. وهذا في نظري من أجمل ما في الإيمان حين يكون حيًا: أنه لا يحضر فقط بعد تحقق المراد، بل يحضر أيضًا قبله، حين يضيق القلب ويبحث عن السند.

ما يجعل هذه الظاهرة أكثر إثارة للاهتمام هو أن كثيرًا من هؤلاء اللاعبين والمدربين لم ينشؤوا أصلًا في بيئة إسلامية مغلقة أو في محيط محافظ بالمعنى التقليدي. أغلبهم، أو عدد كبير منهم على الأقل، وُلدوا أو تربوا في أوروبا، ودرسوا في مدارسها، وتكونوا في أنديتها، واحتكوا منذ طفولتهم بثقافة مختلفة وبمحيط غير مسلم في الغالب. ومع ذلك بقي هذا الخيط الروحي حاضرًا: ذكر الله، والشعور بالحاجة إليه، ونسبة الفضل له، والتعبير عن الإيمان بطريقة تبدو عفوية غير متكلفة.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي: كيف استطاع هؤلاء أن يحافظوا على هذه العلاقة بالله رغم اختلاف المحيط، وضغط الاحتراف، وإغراءات الشهرة؟

في تقديري، أحد أهم مفاتيح الجواب عن هذا السؤال هو الأم المغربية.

فالأم المغربية، حتى حين لا تكون صاحبة تكوين ديني عميق، وحتى حين لا تظهر عليها كل مظاهر التدين بالشكل الذي يتصوره البعض، تحمل في الغالب شيئًا أثمن من ذلك كله: إيمانًا فطريًا متجذرًا. إيمانًا يظهر في الذكر، وفي الدعاء، وفي ربط الأمور بالله، وفي تربية الأبناء على أن النجاح لا يُنسب إلى النفس وحدها، وأن التوفيق من عند الله، وأن بر الوالدين ليس تفصيلًا ثانويًا، بل باب من أبواب البركة في الحياة.

وكثير من الأمهات المغربيات ربما لا يقدمن لأبنائهن خطابًا دينيًا نظريًا متماسكًا، لكنهن يقدمن شيئًا آخر لا يقل أثرًا: يزرعن في القلب معنى الله، ويجعلن اسمه حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية؛ عند الخروج، وعند الخوف، وعند الفرح، وعند المرض، وعند الامتحان، وعند السفر، وعند طلب الرزق، وعند انتظار الفرج. وربما من أكثر ما يحفظ هذا التدين الفطري في الشخصية المغربية أنه لا يبقى محصورًا في المسجد أو في المواسم، بل يسكن اللغة اليومية نفسها: الله يرضي عليك، الله يسهل، الله يحفظ، الحمد لله، الله يجيب التيسير. وحين يسكن الدين اللغة، فإنه يسكن الوجدان أيضًا، ويصبح جزءًا من طريقة الإنسان في رؤية الحياة، لا مجرد فكرة يتذكرها في المناسبات.

والمنتخب هنا لا يُفهم بوصفه عيّنة علمية تمثل كل المغاربة حرفيًا، لكنه مع ذلك يظل نافذة كاشفة؛ لأن هؤلاء اللاعبين والمدربين ليسوا كائنات هبطت من فراغ، بل هم أبناء بيوت مغربية، وتربية مغربية، وذاكرة عائلية مغربية، حملوها معهم حتى وهم يعيشون في أوروبا ويتكوّنون في مدارسها وأنديتها.

ولهذا فأنا لا أرى ما يظهر في المنتخب المغربي مجرد استثناء معزول أو صورة مصطنعة صنعتها الكاميرات، بل أراه في جانب كبير منه امتدادًا لشيء أعمق في الشخصية المغربية نفسها. فالتدين في المغرب ليس دائمًا تدينًا نظريًا أو قائمًا على المعرفة الشرعية الدقيقة، لكنه في كثير من الأحيان تدين وجداني متجذر: في حب المساجد، وفي الإنفاق عليها، وفي التضحية من أجلها، وفي حضور الدعاء في الحياة اليومية، وفي تعظيم الله في القلوب، وفي بقاء الدين جزءًا من اللغة التي يتكلم بها الناس حين يفرحون ويحزنون ويخافون ويرجون.

ومن هنا أصل إلى نقطة أراها مهمة في ختام هذا المقال. ما نراه اليوم في هؤلاء اللاعبين والمدربين ينبغي أن يدفعنا أيضًا إلى تصحيح بعض الصور الجائرة التي تُروَّج أحيانًا عن المغاربة عمومًا، وعن المرأة المغربية خصوصًا. نعم، في كل شعب استثناءات، وفي كل مجتمع انحرافات، والمغرب ليس مجتمع ملائكة. لكن من الظلم أن تُؤخذ حالات محدودة أو صور شاذة، ثم تُقدَّم وكأنها التعبير الحقيقي عن المرأة المغربية أو عن المجتمع المغربي كله. فهذا اختزال جائر لا يصمد أمام الواقع، ولا أمام ما نراه كل يوم من أمهات يربين أبناءهن على ذكر الله، ومن شباب يعيشون في قلب الغرب لكنهم لم ينسوا ربهم، ولم ينسوا أمهاتهم، ولم ينسوا أن يقولوا بعد كل إنجاز: الحمد لله.

ولهذا، فإن المنتخب المغربي لا يقدم لنا اليوم فرحة رياضية فقط، بل يقدم لنا أيضًا فرصة للتأمل في شيء أعمق: في قوة ما تزرعه البيوت الصالحة، وفي أثر الأم المغربية، وفي ذلك الخيط الإيماني الذي ما يزال يربط كثيرًا من المغاربة بالله، مهما ابتعدت بهم الجغرافيا، ومهما تغيرت الأزمان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد