بقلم: عبد الرزاق أمدجار
ليست الانتخابات مجرد أرقام ومقاعد وخرائط انتخابية، بل هي مرآة لحالة السياسة والمجتمع. وانتخابات 23 شتنبر كشفت، في جوانب عديدة، عن مشهد مختلف عن محطات سابقة؛ خطاب سياسي أكثر ضعفًا، ونقاش انتخابي طغت عليه الحسابات والأشخاص على حساب البرامج والأفكار.
والسؤال الذي يفرض نفسه: أين اختفت السياسة؟
يبدو أن الكفاءة السياسية أصبحت في حاجة إلى إعادة الاعتبار. فهل أصبحت بعض الأحزاب تبحث عن رجل الأعمال وصاحب النفوذ الاجتماعي أكثر مما تبحث عن السياسي الذي راكم تجربة في التأطير والنقاش والتدبير؟
لا مشكلة في حضور رجال الأعمال داخل المؤسسات المنتخبة، فالمجال السياسي يحتاج إلى مختلف الكفاءات، لكن النجاح في عالم الأعمال لا يعني بالضرورة النجاح في ممارسة السياسة. المشكلة ليست في المهنة، وإنما في الكفاءة.
كما أن الخطاب السياسي تراجع بشكل واضح في عدد من الحالات، وتحولت بعض المواجهات من تنافس حول البرامج إلى صراع حول الأشخاص والألقاب والاتهامات، في وقت ينتظر فيه المواطن إجابات واضحة حول التعليم والصحة والشغل والسكن والدولة الاجتماعية.
وإذا كان بعض الشباب يعزف عن السياسة، فعلينا أن نسأل: ماذا قدمت له السياسة حتى يهتم بها؟ وإذا فقد المواطن ثقته في بعض الوجوه، فعلينا أيضًا أن نسأل عن معايير اختيارها ومنحها التزكية.
أما القضايا التي وصلت إلى القضاء أو الأجهزة المختصة، فيجب أن تكون مناسبة لمراجعة آليات الترشيح والمراقبة داخل الأحزاب، مع احترام قرينة البراءة إلى حين صدور أحكام نهائية.
وتحمل نتائج 23 شتنبر كذلك تحولًا سياسيًا مهمًا مع تصدر حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يقدم نفسه ضمن مشروع حداثي. وهنا يبدأ امتحان أكبر: هل ستتحول نتائج الانتخابات إلى حكومة منسجمة وقادرة على العمل؟ وهل ستكون الأولوية للتوازنات الحزبية أم لتشكيل توليفة تجمع بين التمثيلية والكفاءة؟
المغاربة لا يحتاجون فقط إلى تغيير الوجوه، بل إلى تغيير طريقة ممارسة السياسة.
فالمرحلة المقبلة أمامها ورش الدولة الاجتماعية، وملفات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والتشغيل، إلى جانب أفق 2030 وما يحمله من استحقاقات مرتبطة بكأس العالم والاستثمار والبنيات التحتية.
لكن المونديال موعد، أما الدولة الاجتماعية فهي مشروع مجتمع.
لذلك، فإن المغرب يحتاج إلى أحزاب قوية بالأفكار، وبرلمانيين قادرين على التشريع والمراقبة، ووزراء يمتلكون الكفاءة والقدرة على الإنجاز والتواصل.
انتخابات 23 شتنبر انتهت، لكن الاختبار الحقيقي بدأ الآن.
هل سننتقل من سياسة الأشخاص إلى سياسة المؤسسات، ومن منطق التزكية إلى منطق الكفاءة، ومن صراع الألقاب إلى صراع الأفكار؟
فالانتخابات قد تمنح الشرعية، لكن الأداء وحده هو الذي يصنع الثقة.