شريف السليماني
قبل تلاثة أيام نشرت مقالًا بعنوان: “أخشى على المغرب… ليس من تنوعه، بل من الطريقة التي قد نتعامل بها مع هذا التنوع.” ولم أكن أتوقع أن يحظى بكل ذلك التفاعل. عشرات الآلاف من القراءات، ومئات التعليقات، وآلاف التفاعلات.
فشكرًا لكل من قرأ المقال، واتفق أو اختلف، وشكرًا لكل من ناقش الفكرة باحترام. لقد أسعدني أن أرى أن موضوعًا بهذه الحساسية يمكن أن يُناقش – في كثير من الأحيان – بعقلانية وهدوء، وهذا وحده يدعو إلى التفاؤل.
وبينما كنت أقرأ تلك التعليقات، جاءت مشاهد سبتة.
مشاهد يصعب أن يمر الإنسان عليها مرورًا عابرًا.
شباب يخاطرون بحياتهم، وآباء، وأمهات يحملن أطفالهن، وكلهم يحدوهم أمل في عبور الحدود بحثًا عن مستقبل يرونه أفضل.
توقفت طويلًا أمام تلك الصور، لا لأناقش تفاصيلها، وإنما لأسأل سؤالًا واحدًا:
ماذا تقول لنا هذه المشاهد؟
في رأيي، إنها تذكرنا بأن هناك أسئلة أصبحت أكثر إلحاحًا من كثير من الأسئلة التي نستنزف فيها وقتنا وطاقتنا.
فالشاب الذي يفكر في الهجرة لا يشغل باله غالبًا: من الأسبق إلى هذه الأرض؟ ولا كم نسبة العرب؟ وكم نسبة الأمازيغ؟ ولا أي الروايات التاريخية أصح؟
إنه يفكر في سؤال آخر:
هل سأجد فرصة عمل؟
هل سأعيش بكرامة؟
هل سأتمكن من بناء أسرة؟
هل سيكون لي مستقبل في هذا الوطن؟
وهنا تذكرت السؤال الذي ختمت به مقالي السابق:
أيُّ مغرب سنترك لأبنائنا؟
واليوم أضيف:
بل كيف نجعل أبناءنا يرغبون في البقاء فيه؟
لا أقلل أبدًا من أهمية الهوية، ولا من اللغة، ولا من التاريخ، فهي جميعًا جزء من شخصية الأمم، ومن حق الجميع أن يعتز بها، وأن يدافع عن حقوقه الثقافية واللغوية في إطار الاحترام المتبادل والعدالة.
بل إنني أرى أن إنصاف أي مكوّن، وحماية لغته وثقافته، واحترام حقوقه، أمر مطلوب، لأنه من مقتضيات العدل.
لكن في الوقت نفسه، ينبغي ألا نحمل قضايا الهوية أكثر مما تحتمل.
فقد تتحقق العدالة في هذا الجانب، وتُرفع مظالم حقيقية إن وُجدت، ثم نكتشف أن البطالة، وضعف التعليم، والفساد، وأزمة الصحة، وغياب فرص الشغل، ما تزال قائمة، لأنها تحتاج إلى حلول من نوع آخر.
فالعدالة في قضايا الهوية ضرورة، لكنها وحدها لا تصنع النهضة.
وبعد أن يحصل كل ذي حق على حقه، سيبقى السؤال الأكبر:
كيف نبني وطنًا يوفر الكرامة والأمل والفرص لجميع أبنائه؟
لقد قرأت أيضًا بعض التعليقات التي خاطبتني بضمير “أنتم”، لا بضمير “أنت”.
فقيل: أين كنتم؟ ولماذا سكتّم؟ ولماذا لم تكتبوا؟
وأقول:
حاسبوني على ما أكتب، لا على ما كتبه غيري.
ناقشوا أفكاري، لا التصنيفات التي تضعونني فيها.
فأنا لا أكتب بلسان جماعة، ولا أمثل عرقًا، ولا أتحدث باسم تيار.
وأرفض أن يُحاسَب الإنسان على مواقف لم يتبنها، أو على أحداث وقعت قبل أن يولد.
ولفتني أيضًا أن بعض النقاشات ما زالت تنطلق من تقسيم المغاربة إلى: “نحن” و**”أنتم”، أو “العرب” و”الأمازيغ”**.
أما أنا، فلا أرى أن الاصطفاف الحقيقي يكون على أساس العرق، أو اللغة، أو الجغرافيا.
بل على أساس القيم.
أصطف مع كل إنسان يدافع عن العدل، ويحترم كرامة الناس، ويرفض الظلم، ويسعى إلى الخير، سواء كان عربيًا أو أمازيغيًا، مسلمًا أو غير مسلم.
ولا أستطيع أن أصطف مع أحد لمجرد أنه يشاركني اللغة أو النسب، إذا كان يدعو إلى الكراهية، أو يحتقر الآخرين، أو يبرر الظلم.
فميزان القرب عندي ليس الدم، وإنما المبادئ.
ومن الأفكار التي تكررت أيضًا وصف بعض المغاربة بأنهم “وافدون”، في مقابل آخرين يوصفون بأنهم “أصحاب الأرض”.
وأتساءل بهدوء:
إذا عاش قوم في هذا الوطن أكثر من ألف سنة، وتعاقبت عليهم عشرات الأجيال، كم من الوقت يجب أن تقضي الأجيال في وطن كي نتوقف عن وصفهم بأنهم وافدون؟
يمكن للمؤرخين أن يناقشوا من سبق إلى هذه الأرض، فهذا شأن البحث التاريخي.
لكن تحويل التاريخ إلى وسيلة لتقسيم المواطنين اليوم إلى “أصحاب أرض” و”وافدين”، لا يساعد، في نظري، على بناء وطن يشعر فيه الجميع أنهم أبناؤه.
وأخيرًا، أود أن أتوقف عند معنى المواطنة.
ففي رأيي، المواطنة لا تُقاس فقط بمكان الولادة، ولا بطول الإقامة، وإنما أيضًا بمقدار الحب، والغيرة على الوطن، والاستعداد لخدمته.
لقد رأينا لاعبين ولدوا ونشؤوا خارج المغرب، وكان بإمكانهم تمثيل بلدان أخرى، لكنهم اختاروا المغرب، وأخلصوا له، فبادلهم المغاربة الحب والاحترام.
ورأينا أشخاصًا ليسوا مغاربة أصلًا، لكنهم أحبوا هذا البلد، وفرحوا لنجاحه، وحزنوا لإخفاقه، حتى شعر الناس أنهم واحد منهم.
فالولاء الحقيقي لا يصنعه الدم وحده، وإنما تصنعه المحبة، والمسؤولية، والعطاء.
وفي النهاية، ما زلت مقتنعًا بما ختمت به مقالي السابق، بل ربما أصبحت أكثر اقتناعًا بعد قراءة التعليقات، وبعد مشاهد سبتة.
المغرب لن يتقدم إذا انتصر العرب على الأمازيغ، ولا إذا انتصر الأمازيغ على العرب.
وسيتقدم يوم ينتصر الجميع للمغرب.
يوم تصبح معركتنا الحقيقية مع الجهل، والبطالة، والفقر، والفساد، وضعف التعليم، والتخلف، لا مع بعضنا بعضًا.
ويوم يصبح أكبر حلم لشبابنا أن يبنوا مستقبلهم في وطنهم، لا أن يخاطروا بحياتهم بحثًا عن وطن آخر.
ذلك هو المغرب الذي أتمناه…