حين يصبح الحجاب اختياراً بين الدين والمستقبل

بقلم: شريف السليماني

 

أثار انتباهي اليوم خبر أستاذة في بلجيكا فقدت عملها بعد رفضها نزع حجابها أثناء التدريس، بسبب قوانين تمنع إظهار الرموز الدينية في المؤسسة التي تعمل بها.

لا أريد أن أدخل في التفاصيل القانونية لهذا الملف، ولا أن أناقش في هذا المقال مفهوم الحياد وحدوده، ولا أن أدعو إلى مخالفة القانون.

أريد فقط أن أتوقف عند جانب إنساني قد يضيع أحياناً وسط النقاشات القانونية والسياسية:

ماذا يحدث داخل الإنسان عندما يُطلب منه الاختيار بين ما يعتقد أنه واجب ديني وبين دراسته أو عمله ومستقبله؟

وماذا يحدث داخل الأسرة المسلمة عندما يدخل هذا الصراع إلى أعماقها؟

 

فتاة في السابعة عشرة

منذ مدة تواصلت معي أسرة مسلمة تطلب مني الحديث مع ابنتها، وكانت آنذاك في السابعة عشرة من عمرها.

كانت الأسرة قلقة عليها. لم تعد راضية عن واقعها، وأصبحت تفكر في عدم الاستمرار في المدرسة، وتتحدث مع والديها عن مغادرة البلد والعيش في مكان آخر. وأدى ذلك إلى توتر ونقاشات متكررة داخل البيت.

ذهبت للحديث معها، وبدأت، كعادتي، بالاستماع إليها.

سألتها أين تدرس، فقالت: في بروكسل.

وكان الوصول إلى مدرستها يستغرق أكثر من ساعة ونصف ذهاباً ومثلها إياباً: حافلة إلى محطة القطار، ثم القطار، مع تغيير وسيلة النقل في الطريق…

أي إن فتاة في السابعة عشرة كانت تقضي أكثر من ثلاث ساعات يومياً تقريباً في التنقل من أجل الدراسة.

سألتها: لماذا كل هذه المسافة؟ ألا توجد مدرسة في مدينتك أقرب إلى بيتك؟

ثم اكتشفت أمراً آخر.

التخصص الذي كانت تدرسه لم يكن التخصص الذي تطمح إليه أصلاً. كان مجالاً يغلب عليه الذكور، وكانت هي الفتاة الوحيدة في فصلها بين مجموعة من الشبان.

فسألتها: لماذا اخترت هذا التخصص؟ ولماذا تذهبين إلى مدرسة بعيدة كل هذا البعد؟

فكان جوابها:

هذه أقرب مدرسة وجدتها لأستطيع الدراسة بحجابي.

مع مرور الأشهر تعبت الفتاة. السفر اليومي الطويل، والتخصص الذي لم يكن اختيارها الحقيقي، والشعور بأنها لا تستطيع اختيار المسار الذي تطمح إليه وهي متمسكة بحجابها؛ كل ذلك أثقل عليها.

وفي منتصف السنة قالت لوالدها إنها لم تعد تريد الاستمرار، وبدأت تبحث عن بدائل، ومنها الدراسة عن بُعد.

واصلت الحديث معها محاولاً أن أفهم ما يجري في داخلها.

قالت لي، بمعنى كلامها، إنها منذ أن بدأت تفهم دينها وهي تسمع أن الحجاب فريضة وعبادة لله. أمها ترتديه، وهذا ما تعلمته في محيطها الديني، وهي لا تريد سوى أن تعمل بما تعتقد أن الله أمرها به.

ثم لخّصت صراعها في سؤال مؤلم:

لماذا يجب أن أختار بين ديني ودراستي؟

هي لا تريد ترك الدراسة. بالعكس، تريد أن تدرس مثل غيرها من الفتيات، وأن تختار التخصص الذي يناسبها، وأن تبني مستقبلها.

لكنها كانت ترى نفسها أمام خيارين كلاهما مؤلم: إن نزعت حجابها ستشعر بأنها عصت الله، وسيبقى داخلها شعور بالذنب؛ وإن تمسكت به، فماذا ستدرس؟ وأين؟ وما الخيارات التي ستبقى أمامها؟

كانت تتحدث بألم، والدموع تكاد تغلبها.

وهنا تفصيل مهم: لم يكن والداها هما اللذان يفرضان عليها الحجاب. بل كانا أكثر تساهلاً منها في هذه المسألة، ولو اختارت نزعه لما أجبراها على الاحتفاظ به.

كانت هي المتمسكة به.

كانت تلك قناعتها هي، وصراعها هي، وضميرها هي.

أبٌ تخلّى عن فرصة عمل

وتذكرت أيضاً قصة أخرى عشت تفاصيلها عن قرب، لكنها هذه المرة ليست قصة فتاة، وإنما قصة أب.

كان يعيش في دولة أوروبية أخرى، وكان يفكر جدياً في الانتقال إلى بلجيكا. وجد هنا فرصة عمل ممتازة: ظروف مهنية جيدة، وأجر جيد، واستقرار وظيفي، وكانت الأمور قد تقدمت إلى درجة أنه بدأ يرتب حتى مسألة السكن.

كنت أعرف تفاصيل الموضوع، واعتقدت أن انتقاله إلى بلجيكا أصبح مسألة وقت.

لكنني التقيت به بعد مدة وسألته عن الأمر، ففاجأني بقوله إنه تراجع عن فكرة الانتقال.

ظننت أن مشكلة وقعت مع صاحب العمل أو في شروط الوظيفة.

قلت له: ماذا حدث؟

قال: لا شيء. العمل جيد، والشروط جيدة، ولا توجد مشكلة مع صاحب العمل أو المدينة.

قلت: فما الذي جعلك تتراجع؟

قال:

خفت على بناتي.

كانت بناته يدرسن في البلد الذي يعيش فيه وهن يرتدين حجابهن. وخشي أن ينقلهن بقراره إلى مكان تضيق فيه خياراتهن التعليمية بسبب الحجاب، فيجدن أنفسهن أمام الاختيار بين دراستهن وبين ما يعتقدن أنه واجب عليهن أمام الله.

وقال لي، بمعنى كلامه: لا أريد أن أكون أنا الذي نقلتهن إلى هذا الوضع، ثم أشعر أنني أتحمل مسؤوليته أمام الله.

فتخلى عن فرصة العمل، وتخلى عن فكرة الانتقال.

هذا الأب استطاع أن يتجنب الصراع. فقرر ألا ينتقل.

لكن ماذا عن الآباء والأمهات الذين لا يملكون هذا الخيار؟

بماذا يشعر أب أو أم وهما يرسلان ابنتهما إلى المدرسة، وهما يعتقدان، كما تعتقد هي، أن الحجاب واجب عليها، ثم يجدان نفسيهما أمام واقع لا تستطيع فيه الجمع بينه وبين بعض اختياراتها الدراسية؟

ماذا يحدث داخل الأب حين يقول لابنته: انزعي حجابك حتى تستطيعي متابعة دراستك، بينما يعتقد في قرارة نفسه أنه يطلب منها أن تترك أمراً أمرها الله به؟

وبماذا تشعر الأم وهي تريد لابنتها أن تدرس، وأن تنجح، وأن يكون لها مستقبل، وفي الوقت نفسه تشعر بأنها مطالبة دينياً بتربيتها على ما تعتقد أنه طاعة لله؟

قد يختار بعض الآباء التعليم، وقد يبحث آخرون عن مدرسة أخرى، وقد تختار بعض الأسر حلاً مختلفاً.

لكن وراء كل اختيار من هذه الاختيارات قد يكون هناك صراع وربما معاناة داخلية لا يراها أحد.

ما لا نراه في النقاش حول الحجاب

لهذا أحكي هاتين القصتين.

لأنني أتمنى أن يسمع المجتمع، وأن يسمع صانع القرار، هذا الجانب أيضاً.

عندما نتحدث عن الحجاب، نتحدث عن الحياد والقانون والرموز الدينية. وهي نقاشات لها مكانها.

لكن خلفها يوجد الإنسان.

وقد يكون قارئ هذه الكلمات غير مسلم، أو مسلماً لا يرى الحجاب بالطريقة نفسها، أو مؤيداً لمنع الرموز الدينية في بعض المؤسسات.

لا أطلب منه أن يتبنى قناعة هذه الفتاة حتى يفهم معاناتها.

أطلب منه فقط أن ينظر للحظة إلى القضية من داخل ضميرها هي.

بالنسبة إلى كثير من المسلمات، الحجاب ليس مجرد قطعة قماش يمكن ارتداؤها في مكان ونزعها في مكان آخر دون أثر داخلي. إنها تعتقد أنها ترتديه طاعة لله.

ولذلك فإن عبارة تبدو بسيطة للآخر: «انزعي حجابك أثناء الدراسة أو العمل»، قد تعني بالنسبة إليها:

افعلي شيئاً تعتقدين أنه معصية لله حتى تتمكني من الدراسة أو العمل اللذين هما حقك في الأساس.

ليس المطلوب أن تؤمن بما تؤمن به حتى تفهم معاناتها.

يكفي أن تدرك أن ما قد يبدو لك مجرد لباس، يمكن أن يكون في ضمير إنسان آخر جزءاً عميقاً من هويته ومن علاقته بالله.

نتحدث كثيراً عن الاندماج، وعن مشاركة المرأة في المجتمع، وعن التعليم والعمل وتكافؤ الفرص. ولذلك من المشروع أيضاً أن نسأل: ما الأثر الإنساني لبعض هذه القواعد على الفتيات والنساء والأسر التي تعيش نتائجها؟

قد نختلف في الحلول، وقد نختلف في مفهوم الحياد وحدود التعبير الديني داخل المؤسسات، وهذا طبيعي في مجتمع ديمقراطي متعدد.

لكن قبل أن نختلف حول الحل، من المهم أن نرى الإنسان وأن نسمع تجربته.

فالقرار لا يبقى دائماً على الورق ولا حبيس بلاطوهات التحليل الإعلامي أو المنبر السياسي؛ أحياناً يدخل إلى المدرسة ومكان العمل والبيت، ويصل إلى ضمير الإنسان وعلاقته بربه وقد يربك حياته بالكامل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد