حين يفشل الغرب في إدارة الإيمان: هل تبدأ الثورة الإبراهيمية من المغرب؟

بقلم : محمد اكن

رئيس المنظمة المغربية للتعاون الإنساني

 

لم يعد ممكنًا، في ظل التحولات الدولية المتسارعة، قراءة الأحداث ذات الطابع الديني بمعزل عن رهانات القوة وإعادة تشكيل النظام العالمي.

فالعالم يعيش لحظة مفصلية، حيث يتقاطع اللاهوت مع الجغرافيا السياسية، وتتحول الرموز إلى أدوات تأثير، بل وإلى محددات لمسارات الصراع.

ضمن هذا السياق المركّب، تكتسب التحركات الدينية الكبرى ومنها زيارات القيادات الروحية دلالات تتجاوز بعدها التقليدي، لتندرج ضمن ما يمكن تسميته بإعادة توزيع النفوذ الرمزي في العالم. ولم تعد هذه التحركات منفصلة عن التوترات داخل الغرب نفسه، حيث يتصاعد التنافس بين مرجعيات دينية مختلفة، لكل منها تصورها لدور الدين في السياسة، بل ولمستقبل النظام الدولي.

ومع عودة مفاهيم كبرى مثل “أرمجدون” إلى التداول في بعض الخطابات، يتأكد أن العالم لا يُدار فقط بمنطق المصالح، بل أيضًا بمنطق السرديات الكبرى التي تمنح هذه المصالح معناها وشرعيتها.

غير أن السؤال الجوهري لم يعد:

من ينتصر في هذا الصراع؟

بل: هل يمكن أصلًا تجاوز هذا المنطق الصراعي؟

هنا تحديدًا، تبرز الحاجة إلى نموذج بديل، لا يقوم على الغلبة، بل على إعادة تعريف العلاقة بين الأديان، وبين الدين والسياسة. نموذج يتجاوز منطق “صراع المرجعيات” نحو أفق “تكامل المرجعيات”.

في هذا الإطار، تطرح “الحركة الإبراهيمية” نفسها ليس كشعار مثالي بل كمشروع حضاري قابل للتفعيل، يقوم على استثمار المشترك الروحي بين الديانات الإبراهيمية، وتحويله من مجرد فكرة ثقافية إلى أداة لبناء الاستقرار، وتعزيز الثقة، واحتواء التوترات.

غير أن أي مشروع من هذا النوع يحتاج إلى أرضية مناسبة للانطلاق، فضاء يجمع بين الشرعية التاريخية، والاستقرار السياسي، والانفتاح الديني. وهنا يبرز المغرب كخيار استراتيجي واضح.

فالمملكة المغربية لا تمثل فقط نموذجًا للتعايش، بل تمتلك رصيدًا حضاريًا يجعلها قادرة على احتضان هذا المشروع وتحويله من فكرة إلى مسار. موقعها الجغرافي، امتدادها الإفريقي، علاقاتها المتوازنة، وسياساتها الدينية المعتدلة، كلها عناصر تؤهلها لأن تكون نقطة انطلاق لرؤية إبراهيمية ذات بعد قاري.

ومن المغرب، يمكن لهذه الرؤية أن تتجه نحو إفريقيا، القارة التي تبحث اليوم عن نماذج جديدة تتجاوز إرث الصراعات والانقسامات. إفريقيا ليست فقط فضاءً جغرافيًا، بل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الدين والتنمية، بين الهوية والانفتاح، وبين الخصوصية والتكامل.

إن تحويل “الحركة الإبراهيمية” إلى مشروع إفريقي انطلاقًا من المغرب، لا يعني تصدير نموذج جاهز، بل بناء إطار مرن يستوعب التنوع، ويعزز المشترك، ويُعيد الاعتبار لفكرة أن الدين يمكن أن يكون عامل توحيد لا تفريق.

في المقابل، ستظل المقاربات القائمة على التوتر والصراع عاجزة عن إنتاج الاستقرار، لأنها تفتقر إلى البعد الجامع الذي تحتاجه المجتمعات في لحظات التحول الكبرى.

في النهاية، قد لا يكون العالم على أعتاب “أرمجدون” كما يتصور البعض، لكنه بالتأكيد أمام مفترق طرق:

إما الاستمرار في إنتاج الصراعات تحت عناوين مختلفة،

أو الانتقال نحو نماذج جديدة تعيد تعريف معنى التعايش.

وفي هذا المفترق، لا يبدو المغرب مجرد فاعل ضمن المعادلة، بل مرشحًا لأن يكون منطلقًا لرؤية بديلة…

رؤية لا تسعى إلى الانتصار في صراع، بل إلى إنهائه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد