الدكتور عبد الكريم حيضرة
تختلف الجهوية المتقدمة عن اللامركزية الكلاسيكية من حيث طبيعة الاختصاصات، واتساع مجالات التدخل؛ إذ ترتقي الجهوية إلى مستوى الاعتراف بسلطة سياسية ذاتية أو بقدرة تشريعية مستقلة.
أما الحكم الذاتي، وكما استقر في الأدبيات القانونية والسياسية المقارنة، فإنه يتجاوز هذا السقف؛ حيث يفترض وجود كيان ترابي يتمتع بصلاحيات واسعة، وقدرات تشريعية وتنظيمية وتنفيذية. وفي هذا السياق، يتوفر الكيان على مجالس منتخبة، وبرلمانات وحكومات محلية، بل وحتى علم محلي. ومن هذا المنطلق، يستحضر المغرب في بلورته لمشروع الحكم الذاتي تجارب مقارنة؛ كأوضاع أقاليم ما وراء البحار في النموذج الفرنسي، أو صيغ الحكم الذاتي المطبقة في المملكة المتحدة.
لكن الاهتمام ينصب بالأساس على نموذج “دولة المجموعات المستقلة” كما تبلور في التجربة الإسبانية وتجارب أخرى مشابهة. ولا يعود هذا الاستلهام بالضرورة إلى الاعتبارات المرتبطة بالحالات الخاصة لكتالونيا أو الباسك أو غاليسيا، بل يرجع بالأساس إلى ما يوفره النموذج الإسباني من هندسة دستورية دقيقة، قادرة على التوفيق بين وحدة الدولة من جهة، وتعدد أنماط التنظيم الترابي داخلها من جهة أخرى.
ومع ذلك، فإن استلهام هذه التجربة لا يعني نقلها حرفياً؛ بل جرى تكييفها مع الخصوصيات الدستورية والسياسية المغربية، ولا سيما الدور المحوري لجلالة الملك في ضمان وحدة الدولة واستمراريتها. وهنا تبرز خصوصية المبادرة المغربية للحكم الذاتي، والتي قدمت تصوراً متقدماً يقوم على تمكين سكان جهة الصحراء، بشكل ديمقراطي، من تدبير شؤونهم عبر هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية، مع الاحتفاظ الصريح للدولة باختصاصاتها السيادية.
وبالعودة إلى تفاصيل المبادرة، سيتولى سكان الصحراء تدبير شؤونهم من خلال هيئات تشريعية وتنفيذية، كما ستتوفر لهم الموارد المالية الضرورية لتنمية المنطقة، وإنعاش الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. بالمقابل، تحتفظ الدولة باختصاصاتها المرتبطة بالسيادة، وعلى وجه الخصوص: الدفاع، العملة، العلاقات الخارجية، إلى جانب الاختصاصات الدستورية والدينية لملك البلاد.
أما فيما يتعلق بطريقة انتخاب رئيس الحكومة الجهوية، فإن المقترح المغربي ينص على أن رئيس الحكومة يُنتخب من طرف البرلمان الجهوي وينصبه جلالة الملك. وبالنسبة لبرلمان الحكم الذاتي، فإنه يتكون من صنفين من الأعضاء: صنف يُنتخب بالاقتراع العام المباشر من طرف مجموع سكان الجهة، وصنف آخر يُنتخب من طرف مختلف القبائل الصحراوية، مراعاةً لخصوصية ومكانة القبيلة داخل الأقاليم الجنوبية. إذن، نحن أمام تصور متطور يمنح جهة الصحراء اختصاصات تشريعية عبر برلمانها، واختصاصات تنفيذية عبر حكومتها المحلية.
ومن أهم الاختصاصات المقترحة أيضاً، ما يتعلق بإحداث شرطة محلية مستقلة. وهنا لا نقصد الشرطة الإدارية المحلية البسيطة، بل نقل جزء كبير من الاختصاصات المسندة حالياً للمديرية العامة للأمن الوطني إلى المستوى المحلي، وهو ما يقربنا مجدداً من تجربة المجموعات المستقلة في إسبانيا.
إننا أمام مبادرة منفتحة ومسؤولة، تضمن للصحراويين التدبير الديمقراطي لشؤونهم المحلية عبر مؤسسات تمثيلية. وما يميز هذه المبادرة كذلك، هو تطابقها التام مع الشرعية الدولية، واستيعابها للقواعد والمعايير المعمول بها عالمياً في مجال الحكم الذاتي، فضلاً عن كفالتها لاحترام حقوق الإنسان كما هو متعارف عليه دولياً ومضمون في دستور المملكة. وإذا أضفنا إلى ذلك التطور التنموي الهام الذي تشهده المنطقة، سنلمس بوضوح تلك الدينامية الإيجابية المتمثلة في الاحترام الحقيقي من قبل السلطات، والرغبة الصادقة للنخب المحلية في البناء؛ وهو ما عكسته نسب المشاركة العالية لساكنة الصحراء في الانتخابات الأخيرة.
أكيد أنه بعد هذا المسار الطويل، يشهد الملف تطورات هامة على المستوى الدولي (كما أشارت إلى ذلك مداخلة الأستاذ محمد غالي)، وتطورات على المستوى الاقتصادي (كما جاء في مداخلة الأستاذ الحسين أوعبيد) والمتعلقة بالواجهة الأطلسية وانعكاساتها الاقتصادية الكبيرة على المنطقة. وثمة تطابق وتوازن واضحان بين مشروع الحكم الذاتي وبين مسار الاندماج الإقليمي والجهوي للمنطقة. إن الحل النهائي لقضية الصحراء يسير في تقدم مستمر، في أفق تمكين أقاليم الصحراء من حكم ذاتي يندرج تماماً في إطار الوحدة الوطنية.