من تعيين المنصوري إلى سؤال أكبر: لمن نقول الحكم الشرعي؟

شريف السليماني

 

أثار تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة في المغرب نقاشًا فقهيًا حول حكم تولي المرأة مثل هذه المناصب.

والنقاش في أصله ليس جديدًا؛ فمن أهل العلم من يرى المنع، مستدلًا، من جملة ما يستدل به، بحديث النبي ﷺ: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»، ومنهم من يناقش دلالة الحديث ومدى عمومه وانطباقه على صور الحكم المعاصرة.

شخصيًا، ليس هذا هو النقاش الذي يعنيني هنا، ولا أريد الترجيح بين الرأيين.

لكن هذا الحدث أعاد إلى ذهني سؤالًا آخر أوسع من القضية نفسها:

لمن نقول الأحكام الشرعية؟ ومتى نقولها؟ وما الذي نريد أن تحققه في الواقع؟

فاطمة الزهراء المنصوري لم تدخل الحياة السياسية المغربية بالأمس. تولت مسؤوليات سياسية وتدبيرية منذ سنوات، وتولت عمودية مراكش، ثم قيادة حزب سياسي كبير، قبل أن يتصدر حزبها الانتخابات التشريعية، ثم عيّنها الملك رئيسةً للحكومة.

أي إن المسار الذي أوصل امرأة إلى رئاسة الحكومة لم يبدأ يوم تعيينها، وإنما تشكل سياسيًا واجتماعيًا على مدى سنوات.

ثم، بعد أن يصبح الأمر واقعًا قائمًا، يظهر النقاش: هل هذا جائز شرعًا أم غير جائز؟

مرة أخرى: لا أناقش الحكم، وإنما أسأل عن توقيت الخطاب ووظيفته ومخاطَبه:

لمن يقال هذا الكلام الآن؟

للدولة التي اتخذت قرارها؟ أم للناخبين الذين اختاروا الحزب وهم يعرفون من يقوده؟ أم للتيارات السياسية والمجتمعية التي لا تحتكم أصلًا إلى المرجعية الفقهية في هذه المسألة؟ أم نقوله أساسًا لمن يعتقدون أصلًا بما نقوله؟

فإذا كان الذي يرفض هذا الأمر شرعًا يعرف الحكم ومقتنعًا به، والذي نريد تغيير موقفه لا يسمع خطابنا أو لا يحتكم إلى مرجعيتنا، فمن المشروع أن نسأل:

ما الوظيفة التي يؤديها خطابنا؟ وما الأثر الذي نريد أن نحققه به؟

قد يقول قائل: أنا أبيّن حكم الله وأبرئ ذمتي.

وهنا سؤال آخر: هل إبراء الذمة يعني أن أعلّق على كل قضية عامة تقع في المجتمع؟ وهل كل من رجّح رأيًا فقهيًا في مسألة اجتهادية أصبح مكلفًا شرعًا بأن يعلنه كلما وقعت نازلة مرتبطة به؟

واللافت أن سؤال جدوى الإنكار وأثره ليس جديدًا.

فالإمام الغزالي، وهو يناقش شروط الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إحياء علوم الدين، يقول:

«يسقط وجوب الحسبة عنه حيث علم قطعًا أنه لا يفيد».

وهو لا يقول إن الإنسان لا يتكلم إلا إذا ضمن النتيجة؛ بل يفرّق بين العلم بانعدام الفائدة وبين بقاء احتمالها. لكن المهم هنا أن الأثر والجدوى يدخلان أصلًا في النظر الفقهي في وجوب الإنكار.

ويزداد السؤال أهمية في الحالة المغربية؛ لأننا لسنا أمام فراغ مؤسساتي. فهناك هيئة علمية مكلفة بالإفتاء لدى المجلس العلمي الأعلى، وينص التنظيم المتعلق بها على أنها «تختص وحدها، دون غيرها، بإصدار الفتاوى الرامية إلى بيان حكم الشريعة الإسلامية في القضايا ذات الصبغة العامة».

وهنا أسأل:

أين تنتهي مسؤوليتي الفردية، وأين تبدأ مسؤولية المؤسسات؟

أنا مسؤول عن نفسي، وعن أسرتي، وعمن استرعاني الله أمرهم، ولي بصفتي إمامًا وداعية مسؤولية في التعليم والنصيحة والبيان.

لكن هل يعني ذلك أن عليّ أن أقدم للناس «حكم الإسلام» في كل قضية سياسية أو اجتماعية عامة، حتى عندما لا يسألني أحد عنها، وتوجد مؤسسات مختصة بها، ويكون الواقع قد قطع في المسألة أشواطًا طويلة قبل أن نبدأ نحن النقاش؟

أنا لا أدعو إلى الصمت، ولا إلى ترك بيان الدين، ولا أقول إن الناس ينبغي ألا يسمعوا إلا ما يريدون سماعه.

إنما سؤالي:

هل يكفي أن يكون ما نقوله صحيحًا حتى يكون قوله في كل وقت، وبكل طريقة، ولكل جمهور، هو التصرف الصحيح؟

أليس للبيان نفسه فقه؟

فقهٌ يسأل قبل الكلام:

لمن أتكلم؟ ولماذا؟ ومتى؟ وبأي صفة؟ وما الأثر الذي أرجو أن يحدثه كلامي؟

ربما كانت إحدى مشكلات بعض خطابنا الديني اليوم أننا نهتم كثيرًا بـفقه الحكم، ولا نهتم بالقدر نفسه بـفقه البيان.

نعرف ماذا نقول، ولكننا لا نسأل دائمًا: متى نقوله؟ ولمن؟ وكيف؟

وأحيانًا يسبق الواقع أصحاب الخطاب الديني بمراحل، ثم نأتي بعد أن استقر لنعلن حكمًا لا يسمعه في الغالب إلا الذين كانوا مقتنعين به أصلًا.

ولذلك لا يكفي أن أسأل نفسي:

هل قلتُ ما أعتقد أنه الحق؟

بل ينبغي أن أسأل أيضًا:

هل قلته في وقته؟ وهل قلته لمن ينبغي أن يسمعه؟ وهل بالطريقة التي يمكن أن تحقق المقصود منه؟

وإلا فقد نحتاج أحيانًا إلى أن نسأل أنفسنا:

هل نحن نخاطب المجتمع لنؤثر فيه، أم نخاطب أنفسنا لنطمئن إلى أننا تكلمنا؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد