شريف السليماني
انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا صورة لرجل يقبّل قدم رجل آخر، ويوحي المشهد بأننا أمام شيخ طريقة صوفية ومريد له. وقد أثارت الصورة، وما شابهها من مشاهد تقبيل الأيدي والأقدام والمبالغة في تعظيم بعض الأشخاص، كثيرًا من الجدل.
لكنني لا أريد أن أتوقف عند الصورة وحدها، ولا أن أجعل المشكلة في الشخص الذي تُقبَّل يده أو قدمه؛ فالمسألة، في نظري، أعمق من ذلك بكثير.
المشكلة تبدأ حين يتربى الإنسان بطريقة تجعله مستعدًا لاستصغار نفسه، واحتقارها، وإعطاء الدنية من قدره. فالإنسان الذي لا يشعر بقيمته وكرامته يصبح مستعدًا لتعظيم كل ما حوله، لا البشر وحدهم.
وأتذكر هنا شيئًا من طفولتنا. في المنطقة التي ولدت فيها، كان هناك غار في جبل قريب منا، وكانت تنتشر حوله شائعات بأنه مسكون بـ«رجال البلد»، وأنه يفتح لمن وُسِم فيه الخير، وأن فلانًا فُتح له، ودخل إليه فأكرمه أهله، وفلانًا حدث له كذا… وكنا نسمي ذلك الغار «لَلّة مغارة» أو «لَلّة مغورة». وكلمة «لَلّة» في الدارجة المغربية تُقال للمرأة على سبيل التوقير، كما نقول للرجل: «سيدي».
وكنا أيضًا نطوف ببعض الأضرحة التي يُعتقد أن أصحابها من الأولياء، وكان حول قبور بعضهم سياج من الخشب، فكنا نقبّل أركانه، ونقبّل أحجارًا موضوعة على بعض القبور. نعم، كنا نقبل الخشب والحجر!
بل أذكر أننا، ونحن أطفال، إذا سقط أو خُلع سن أحدنا، كنا نتجه به نحو الشمس ونقول:
«يا لَلّة عين الشمس، خذي سن الحمار وأعطيني سن الغزال».
قد تبدو هذه الأمور اليوم غريبة، لكنها كانت جزءًا من البيئة التي تربينا فيها. والأغرب من ذلك أننا كنا نفعلها أمام الكبار، ولم يكن أحد منهم ينهانا أو يصحح لنا ما نقول أو نفعل.
ولا يزال كثير منا، إلى اليوم، إذا سقط منه الخبز على الأرض، حمله وقبّله. وقد يكون هذا من باب احترام النعمة، ولا إشكال في ذلك من حيث الأصل، لكنني أستحضره هنا باعتباره صورة من صور التربية التي نشأنا عليها؛ تربية تجعل الإنسان شديد الاستعداد لتعظيم ما حوله، وفي الوقت نفسه قد تجعله مستعدًا لإعطاء الدنية من نفسه.
فلا ينبغي أن نستغرب كثيرًا عندما نرى شخصًا يقبّل يد إنسان أو قدمه. فالمشهد الظاهر قد يكون نتيجة تربية أعمق وأقدم من المشهد نفسه.
ومن هنا أعود إلى الفكرة الأساسية: المشكلة ليست بالضرورة في أولئك الذين يُعظَّمون، وإنما في الإنسان القابل لهذا التعظيم.
فأصنام الجاهلية نفسها لم تطلب من العرب أن يعبدوها. لم تقل لهم العُزّى ومناة وهبل: عظّمونا واجعلونا آلهة. وإنما كان الإنسان هو الذي صنع لها تلك المكانة، وعلّق عليها حاجاته وخوفه ورجاءه.
وهذا هو جوهر المسألة في نظري: إذا كان الإنسان خاليًا من الداخل، ومستصغرًا لنفسه، فاقدًا لإحساسه بكرامته وقيمته، فإنه سيبحث عن شيء يعظّمه خارج نفسه.
فإن لم يكن بشرًا، عظّم حجرًا. وإن لم يكن شيخًا، عظّم ضريحًا. وإن لم يكن صنمًا، عظّم رمزًا أو مكانًا أو شيئًا آخر.
لأن المشكلة في النهاية ليست فقط: من الذي نُعظّمه؟
بل السؤال الأهم: لماذا نحن مستعدون أصلًا لتعظيم كل شيء؟
إن علاج هذه الظاهرة لا يكون فقط بالسخرية من شخص قبّل قدمًا، ولا بمجرد مهاجمة الشيخ أو المريد، وإنما يبدأ من تربية الإنسان على معرفة قدره، واستشعار كرامته، والامتلاء من الداخل.
فالذي يعرف قدره لا يحتاج إلى إذلال نفسه ليعظّم غيره، والذي امتلأ قلبه بالله لا يحتاج إلى صناعة “آلهة” من البشر أو من الشجر أو من الحجر. ومتى استصغر الإنسان نفسه، بدأ في النفخ في كل ما حوله.