بقلم: يحي يحياوي
مستشار ومحلل قانوني وسياسي
شهدت الحكومة الائتلافية الجديدة برئاسة، فاطمة الزهراء المنصوري، اختباراً أولياً اتسم بعنف غير مسبوق. فقد أُعفيت مديحة خير، القيادية في حزب الاستقلال والإطار السامي في الطيران المدني، من مهامها كوزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني يوم الأحد 18 أكتوبر 2026، وذلك بعد مرور 48 ساعة فقط على تعيينها الرسمي الذي جرى يوم الجمعة 16 أكتوبر بالقصر الملكي.
ويطرح هذا الزلزال السياسي أسئلة جوهرية حول سير المؤسسات المغربية والأثر المالي الحقيقي لهذا الإعفاء السريع، المحكوم بقواعد قانونية صارمة.
التسلسل الزمني
بعد ساعات قليلة من الإعلان عن تعيين مديحة خير، غمرت شبكات التواصل الاجتماعي موجات من المنشورات المنسقة. حيث سُربت وثائق سرية كشفت عن ثغرتين رئيستين:
الشق القضائي:
وجود إجراءات قضائية قديمة تعود لسنة 2004، تتضمن اتهامات بالنصب وإصدار شيكات بدون رصيد تتعلق بصائغي مجوهرات.
الشق الطبي:
نشر وثائق طبية ذات طبيعة نفسية تشير إلى هشاشة سيكولوجية سابقة.
وأمام هذا الجدل العارم، وبغية «الحفاظ على المصداقية الأخلاقية لسلامة المؤسسة التنفيذية وسكينتها»، استجابت الحكومة بسرعة. وبموجب مرسوم ملكي، أقر الملك محمد السادس الإعفاء الفوري للوزيرة المنتدبة حتى قبل التنصيب البرلماني للحكومة.
التحليل القانوني: إعفاء يستند إلى المادة 47 من الدستور
على المستوى الدستوري، تستند المسطرة المتبعة بشكل صارم إلى المادة 47 من الدستور المغربي لسنة 2011. وينص هذا النص على أنه يمكن للملك، بمبادرة منه أو بناءً على اقتراح من رئيس الحكومة، أن ينهي مهام عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة.
وهنا، يتجلى سبب سرعة اتخاذ القرار في ضرورة الملاءمة السياسية والدستورية: كان يتعين على حكومة المنصوري تثبيت بنيتها من أجل المثول أمام البرلمان لنيل ثقة إجبارية، دون الانجرار وراء أزمة صورة مشلّة. وقد أكد المتحدث باسم الحكومة على هذه «الاستجابة المستعجلة»، معتبراً أنها تندرج ضمن مسؤولية الحكومة لتوفير شروط السكينة اللازمة.
وإذا كان الكشف عن الماضي القضائي لشخصية سياسية يدخل في إطار النقاش العمومي، فإن نشر وثائق طبية سرية قد أثار نقاشاً حاداً داخل المجتمع المدني بشأن الانتهاك الصارخ للحق في الحياة الخاصة والسر الطبي، وهما مبدآن محميان دستورياً في المغرب.
حجج مالية مدققة: ما هي التكلفة على دافعي الضرائب؟
في أعقاب هذا الإعفاء المبكر، ظهرت تساؤلات حول صرف تعويضات أو معاش لوزيرة لم تقضِ سوى 48 ساعة في منصبها. ومع ذلك، فإن الترسانة التشريعية المغربية تبطل تماماً إمكانية الحصول على هذه الامتيازات في مثل هذه الحالة.
فالإطار القانوني —المنظم بموجب الظهير رقم 1-74-331 الصادر في 23 أبريل 1975 المتعلق بوضعية وتعيين أعضاء الحكومة— يعد حاسماً ولا يدع مجالاً للشك:
- لا تنصيب، لا راتب
يتقاضى الوزير راتباً جزافياً أساسياً تضاف إليه تعويضات التمثيل والوظيفة. ومع ذلك، فإن هذه المستحقات لا تسري إلا اعتباراً من تاريخ التولي الفعلي للمهام والتنصيب الرسمي. وبما أن مديحة خير لم تقضِ يوماً واحداً في مكتبها ولم تمارس تفويضها، فلن يُصرف لها أي تعويض مالي.
تعويض إنهاء الخدمة: مستبعد
تنص المادة 7 من ظهير سنة 1975 على صرف تعويض جزافي لإنهاء الخدمة (يعادل 10 أشهر من الراتب الأساسي) للوزراء الذين يغادرون الحكومة لضمان انتقالهم المهني. غير أن روح القانون تخول هذا التعويض للوزراء الذين مارسوا مهامهم فعلياً وغادروا مناصبهم بشكل نظامي (تعديل حكومي أو انتهاء الولاية التشريعية). فالإعفاء التحفظي لأسباب أخلاقية قبل بدء ممارسة المهام يسقط تلقائياً الاستفادة من هذه المكافأة.
معاش التقاعد الوزاري: حق غير مفتوح
يمنح نظام التقاعد الخاص بأعضاء الحكومة السابقين في المغرب معاشاً بمجرد انتهاء مهامهم. ومع ذلك، فإن فتح هذا الحق الاستثنائي يتطلب كشرط صارم الممارسة الفعلية للوظيفة بعد التنصيب الرسمي. ولما كانت مديحة خير لم تلتحق جسدياً بجهاز الدولة، فإن وضعيتها تعادل إلغاء آثار تعيينها. وبالتالي، لن تتقاضى أي معاش وزاري.
خلاصة: ارتدادات على السلطة التنفيذية
من الناحية المحاسبية، فإن الأثر المالي لهذه الأزمة على الخزينة العامة هو صفر درهم. وفي المقابل، فإن التكلفة السياسية باهظة بالنسبة لائتلاف فاطمة الزهراء المنصوري.
ويسلط هذا الحادث الضوء على مكامن الخلل في آليات الفحص المسبق (تحريات الأخلاقيات) التي تسبق تشكيل الحكومات في المغرب. فكيف يمكن لسوابق، وإن كانت قديمة، أن تفلت من أجهزة التحقق ومن هيئات حزب الاستقلال؟ ومن خلال التكتل لاعتماد هذا الرحيل الخاطف عبر قرار مشترك بين أطراف الأغلبية، حاولت السلطة التنفيذية وقف النزيف الإعلامي. ومع ذلك، تجد هذه الحكومة نفسها، فور ولادتها، مضطرة لإدارة مقعد شاغر في التكوين المهني وإعادة تركيز نقاشاتها بأسرع وقت على برنامجها التشريعي.