تستعد دول منطقة اليورو لإصدار سندات بقيمة قياسية خلال عام 2027، وسط تحذيرات من صندوق النقد الدولي بشأن ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها منذ 20 عاماً.
تخيّل مستثمرا نام في صيف 2012، في ذروة أزمة اليورو، واستيقظ هذا الصباح. كان سيتذكر خريطة بسيطة: في الشمال نواة من الدول تقترض بكلفة زهيدة، تتوسطها ألمانيا، وفي الجنوب أطراف مثقلة بالديون مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا وإيرلندا تدفع ثمنا باهظا مقابل البقاء في العملة الموحدة. بعد 14 عاما لم تعد هذه الخريطة تعكس واقع منطقة اليورو (المصدر باللغة الإنجليزية)؛ فبلجيكا، مقر مؤسسات الاتحاد الأوروبي، تقترض اليوم لأجل عشر سنوات بفائدة 4,29%، وتدفع اليونان التي أُنقِذت ثلاث مرات 4,35%، أي تقريبا المعدل نفسه، بينما تدفع البرتغال أقل من إسبانيا، وتقترب عوائد إيرلندا من عوائد هولندا، وتجد فرنسا، التي كانت تُعد جزءا من النواة الصلبة، نفسها تدفع فوائد أعلى من إيطاليا. لقد انتقلت “الأطراف” القديمة شمالا، في وقت تستعد فيه حكومات منطقة اليورو لطلب مبالغ قياسية جديدة من المستثمرين.
ما الذي حرّك الحدود
عوائد السندات هي أسعار الفائدة التي تدفعها الحكومات عند الاقتراض؛ ترتفع عندما يعتقد المستثمرون أن دولة ما ستحتاج إلى أموال أكثر مما تستطيع سداده بسهولة، وتنخفض عندما تثبت العكس. أمضت اليونان عقدا كاملا في محاولة إثبات العكس: ففي 2025 سجلت أثينا فائضا في الميزانية قدره 1,7% من الناتج المحلي الإجمالي، وتراجعت ديونها، رغم أنها ما زالت الأعلى في أوروبا، بأكثر من تسع نقاط مئوية من الناتج في عام واحد. يقول كين إيغان، رئيس ائتمان السندات السيادية الأوروبية في وكالة التصنيف KBRA، في تصريح لـ”يورونيوز” إن الأسواق كانت تركز لسنوات على “المخاطر السيادية” في دول الأطراف، لكن هذه الدول تبنّت خلال العقد الماضي سياسات مالية أكثر حذرا، حسّنت أرصدتها الأولية، ومددت آجال استحقاق ديونها، ورفعت كفاءتها في تحصيل الضرائب عبر الرقمنة، وأعادت رسملة بنوكها، وهو ما خفف مخاطر إعادة التمويل وجعل مسار الدين أكثر صلابة مما كان عليه قبل عشر أو خمس عشرة سنة. في المقابل سلكت بلجيكا الاتجاه المعاكس؛ إذ اتسع عجز ميزانيتها العام الماضي إلى 5,2% من الناتج المحلي الإجمالي، متخطيا عجز فرنسا البالغ 5,1%، وقفز دينها في الربع الأول من 2026 إلى أكثر من 109% من الناتج. ويرى إيغان أن “النواة التقليدية” نفسها تغيّرت، لكن في اتجاه مختلف، مع قدر أقل من الوضوح في المسار السياسي، ومزيد من عدم اليقين، وضغوط متزايدة للإنفاق الهيكلي، وتكاليف إعادة تمويل أعلى بكثير مما اعتادت عليه الحكومات في فترة أسعار الفائدة المنخفضة. وتُحدَّد مكانة فرنسا على هذه الخريطة برقم واحد قبل غيره: الدولة تنفق 57,2% مما ينتجه اقتصادها، وهي أعلى حصة في مجموعة العشرين (المصدر باللغة الإنجليزية)، فيما بلغت ديونها 3,6 تريليون يورو، أي 119% من الناتج المحلي الإجمالي، ارتفاعا من 98,2% قبل الجائحة.
الفاتورة المستحقّة في 2027
في 29 أيلول/سبتمبر، عرضت الخزانة الفرنسية حجم الاقتراض الذي ستحتاج إليه العام المقبل: 340 مليار يورو في صورة سندات متوسطة وطويلة الأجل، في رقم قياسي يعادل نحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ310 مليارات هذا العام، ومعظمها ليس إنفاقا جديدا بل إعادة تمويل لديون قديمة تستحق، بعد أن حان موعد سداد السندات التي أُصدرت خلال الجائحة وأزمة الطاقة. كل يورو من هذا الدين يُجدَّد اليوم بكلفة أعلى؛ فقد دفعت فرنسا حتى الآن هذا العام متوسط فائدة قدره 3,55% على السندات المتوسطة والطويلة الأجل، ارتفاعا من 3,14% العام الماضي، ومن المتوقع أن ترتفع فاتورة الفوائد السنوية من 62,6 مليار يورو في 2026 إلى 72,9 مليار في 2027، أي ما يقارب خمس إيرادات الدولة العام الماضي، وهو الرقم الأول الذي صار المستثمرون يقرؤونه اليوم. يقول إيغان إن الأسواق باتت تراقب القصة المالية بمزيد من التدقيق، لا حجم الاقتراض فحسب بل الغرض منه أيضا؛ فالدَّين الذي يمول الاستثمار والنمو المستقبلي يُنظر إليه بشكل مختلف عن الدَّين الذي يُستخدم أساسا لسداد فاتورة فائدة متصاعدة. ألمانيا بدورها تصدر هذا العام سندات قياسية بقيمة 512 مليار يورو لتمويل الدفاع والبنية التحتية، وهو نوع من الاقتراض تميل الأسواق إلى التساهل معه، بينما ستعيد إيطاليا وإسبانيا تمويل مئات المليارات، ويحذّر صندوق النقد الدولي (المصدر باللغة الإنجليزية) في أحدث تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” من أن نحو 30% من الدَّين العام في دول مجموعة السبع وإسبانيا سيستحق خلال أقل من عام، ما يعني أن أي تغيير في أسعار الفائدة ينعكس على الموازنات خلال أشهر لا عقود.
لماذا تواصل عوائد السندات السيادية الارتفاع
بين شباط/فبراير وأيلول/سبتمبر ارتفع متوسط عائد السندات لأجل عشر سنوات في دول مجموعة السبع بأكثر من نقطة مئوية كاملة، ليبلغ أعلى مستوى له منذ نحو عقدين، بحسب ما كتب هذا الأسبوع مدير الشؤون المالية في صندوق النقد الدولي رودريغو فالديس ونائبته إيرا دابلا-نوريس. لعبت صدمة أسعار النفط، واستمرار التضخم، وتدفّق الأموال إلى مجال الذكاء الاصطناعي دورا في ذلك، لكن العامل الحاسم يبقى الأساسيات المالية؛ فالمستثمرون يطالبون بعائد أعلى عندما تقترض الحكومات على مدى عشر سنوات وهي مستمرة في الإنفاق بما يفوق ما تجبيه من ضرائب. وساهم البنك المركزي الأوروبي (المصدر باللغة الإنجليزية) في رفع الكلفة، إذ رفع سعر فائدة الإيداع مرتين هذا العام إلى 2,50% لاحتواء التضخم. ارتفع العائد على السندات الألمانية لأجل عشر سنوات، الذي يمثل أرضية لمنطقة اليورو بأكملها، من 2,64% في شباط/فبراير إلى 3,45%، بينما قفز نظيره الفرنسي بمعدل يناهز الضعف، ولامس لفترة وجيزة 5% في مطلع تشرين الأول/أكتوبر، في أوسع فجوة مع السندات الألمانية منذ 2012. ويحذر إيغان من أن السوق قد تصبح جزءا من المشكلة نفسها؛ إذ يمكن لعنوان سياسي أو موازنة ضعيفة أن يدفع منحنى العائد إلى أعلى، فتزداد كلفة إعادة التمويل، ويضيق الحيز المالي، ثم تجد السوق سببا إضافيا للمطالبة بعلاوة مخاطر أعلى. هذه الحلقة تدور اليوم بوتيرة أسرع مما مضى، لأن هوية المشترين تغيرت: فبعد عقد من قيام البنك المركزي الأوروبي بشراء السندات الحكومية بأموال جديدة، بات يتركها تنقضي من دون إعادة استثمار، وهناك طلب طبيعي أقل على السندات طويلة الأجل مع تراجع دور البنوك المركزية وتغير احتياجات صناديق التقاعد واعتماد المستثمرين الأكثر حساسية للأسعار على الشراء الهامشي، فيما تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى إضعاف النمو مع إبقاء التضخم وأسعار الفائدة عند مستويات أعلى. ويلخص صندوق النقد الدولي الوضع بالقول إن سعر الفائدة على الديون الجديدة بات يتجاوز معدل نمو الاقتصاد في عدد متزايد من الدول، ما يعني أن الديون تميل إلى الارتفاع تلقائيا ما لم تحقق الحكومات فائضا أوليا قبل خدمة الدين، وهو ما لا تنجح فيه معظم دول أوروبا، لتزداد كلفة التأجيل مع مرور الوقت.
هل نعود إلى 2012؟
ديونك… تضخّمي
لا ترى مجموعة “لومبار أودييه” المصرفية أن المشهد يذكّر بعد بالأزمة التي شهدها عام 2012؛ فمكتب الاستثمار التابع لها يعتبر أن الأسواق “تسعّر حالة من عدم اليقين أكثر مما تعكس شروط أزمة جديدة للديون السيادية”، إذ تبقى مدفوعات الفائدة الفرنسية في حدود محتملة، عند مستوى يزيد قليلا على 2% من الناتج المحلي الإجمالي، أي نصف مستوى إيطاليا، مع عجز صغير في الحساب الجاري واعتماد أقل على التمويل الأجنبي مقارنة بالبرتغال وإسبانيا واليونان في 2012 حين كانت تستورد رؤوس أموال تعادل بين 7% و12% من اقتصاداتها كل عام. ويتوقع المصرف سيناريو أقرب إلى الملل منه إلى الدراما: استمرار اتساع الفارق بين السندات الفرنسية والألمانية إلى أن يقرّ البرلمان موازنة ذات صدقية، على الأرجح بعد الانتخابات الرئاسية المقررة في أيار/مايو 2027، مع تراجع تدريجي في سعر اليورو إلى نحو 1,09 دولار. وفي تحذير مختلف، تشير كلارا رابوزو، نائبة حاكم بنك البرتغال، إلى أن أسواق السندات السيادية أصبحت أكثر حساسية للتضخم والشكوك المالية والجيوسياسية، وأن الصدمات تنتقل اليوم من دولة إلى أخرى بوتيرة أسرع، وتتعاظم بفعل الصناديق التي “تبيع أولا ثم تطرح الأسئلة لاحقا”، مضيفة أن “الثقة قد تكون غير ملموسة، لكن عواقبها الاقتصادية حقيقية”. ولا تقتصر آليات الانتقال على القنوات المالية؛ ففي تجربة عشوائية مع شركات ألمانية ضمن لوحة بيانات البنك المركزي الألماني (“بوندسبنك”) تضم نحو 7.000 شركة، ونشرها مركز أبحاث السياسات الاقتصادية (CEPR) في وقت سابق من هذا العام، اعتقد نحو نصف هذه الشركات أن البنك المركزي الأوروبي سيتردد في رفع أسعار الفائدة لحماية خزائن الدول الأضعف. وعندما عرض الباحثون على هذه الشركات توقعات متشائمة لنسبة الدَّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، رفعت الشركات التي لا تثق بالبنك المركزي الأوروبي توقعاتها للتضخم في ألمانيا بعد ثلاث سنوات بمقدار 1,4 نقطة مئوية. بمعنى آخر، يمكن أن تؤدي الضغوط المالية في دولة عضو إلى رفع توقعات التضخم في دولة أخرى عبر قناة الثقة. في عام 2012 كان السؤال المطروح هو ما إذا كانت دول الأطراف قادرة على السداد؛ أما في 2027 فالسؤال هو: من هي الأطراف بالضبط؟